الـمادة الإسلامية في منهاج التعليم الأصيل الجديد صمام أمن وسلام: مرحلة التعليم الابتدائي نموذجا

index

د. عبد المجيد بن مسعود

أولا: مقدمات بين يدي الموضوع:
المقدمة الأولى: قضية التربية والتعليم أم القضايا، ومشكلاتها أم المشكلات:
هي أم القضايا لأنها ترتبط بالتشكيل والبناء اللذين يرتهن بهما مصير أمة من الأمم، وترسم معالم حركتها وسيرها، وقبل ذلك منهج تلك الحركة وقواعد ذلك السير ومحطاته وأهدافه ومراميه، ومن ثم مدخلاته ومخرجاته.
وهي (أي قضية التربية والتعليم) أم المشكلات لأن ما يلحق المستهدفين ببرامج ذلك التعليم ومضامينه وقيمه، من تشوهات يحملها في باطنه، بسبب تلوث المعين الذي يستقي منه، ينعكس حتما على مجمل حركة المجتمع ومناشطه ونتاجاته وشبكة علاقاته. ومن ثم يمكن القول –بكل يقين– بأن نظام التربية والتعليم، يشكل مرآة صادقة ومؤشرا أمينا على وضع أمة من الأمم والموقع الذي تشغله فيها، ففيه الداء وفيه الدواء على حد سواء.
المقدمة الثانية: إن مسألة التربية والتعليم مسألة حضارية بامتياز، المفروض فيها أن تعبر بعمق عن كيان الأمة وتعكس جوهره وفحواه، فذلك الجوهر هو عينه ما يصطلح على تسميته بالهوية، ومن خصائص الهوية أنها كل غير قابل للتبعيض، أو نسق لا يحتمل التفتيت.
المقدمة الثالثة: يقوم بناء الهوية على منطق داخلي يؤول إلى وضع الاختلال، بفعل تعرضه لغزو خارجي من قبل هوية تختلف عنه من حيث المنطق، أي من حيث أسسها الفلسفية وما يرتبط بها على مستوى المشروع الحضاري، أو بفعل لجوء أصحاب تلك الهوية طوعا ضمن ملابسات معينة إلى احتضان عناصر تنتمي إلى هويات أجنبية، فيما يشبه احتضان أنثى طائر لبيض طائر غريب.
المقدمة الرابعة: إن نجاح أي مشروع تربوي داخل هوية من الهويات رهين بحماية منطقها الداخلي من أي عامل من عوامل التهجين، وهذا بغض النظر عن صدق الأساس النظري الذي تقوم عليه تلك الهوية، ومدى ملاءمته للحق، وتعبيره عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها. ومن ثم يمكن التمييز بين نجاح نسبي محدود في مداه، مهدد بعوامل التآكل والضمور، بسبب مخالفة سنن الله  في الاجتماع البشري المتضمنة في منهجه الحكيم، وبين نجاح للمشروع، موسوم بالديمومة والرسوخ، بفعل استيفائه لمقومات ذلك، وهي ملاءمة الفطرة واحترام سنن الله سبحانه وتعالى في الكون. وبديهي بعد كل ذلك، أن يكون في مقدورنا إصدار حكم جازم –بالنجاح أو الإخفاق– على أية منظومة تربوية قائمة، أو حالة خضوعها للمراجعة أو إعادة الهيكلة، بمجرد النظر في أسسها النظرية من جهة، وفحص المواصفات المرصودة لمستهدفيها، والتي يرجى تحققها عند التخرج، بعد الخضوع لعمليات التشكيل واستنبات القيم والمفاهيم في شخصيات المتعلمين، من جهة أخرى.
المقدمة الخامسة: إن ارتكاز أي منظومة تعليمية على مجموعة من الثوابت والمرتكزات المجسدة للهوية الوطنية لا يعني بحال من الأحوال تنزيهها عن القابلية للفحص والمراجعة الدورية، أو كلما وجدت دواعي لذلك، ترتبط إما بضرورة تجديد الفهم، أو ضرورة ترتيب الأولويات، أو إعادة بناء المعرفة أو آلياتها المنهاجية.
ويجدر بنا، ارتباطا بهذه المقدمة، طرح السؤال عن طبيعة وحجم الحاجة إلى ما سمي بمراجعة المادة الدينية في التعليم المغربي، وهي ما يمكن إدراجه تحت عنوان فلسفي مصيري كبير هو: التعليم بالمغرب وسؤال المراجعة.
في ضوء هذه المقدمات سأحاول –بإذن الله– أن أتناول بالتشخيص والتحليل طبيعة المادة الإسلامية في التعليم الأصيل الجديد في مرحلته الابتدائية، من خلال قيمتين مركزيتين ضمن القيم المراد تشريبها للمتعلمين، وتثبيتها في نفسياتهم أو بناء شخصياتهم، وأعني بهما قيمة الأمن وقيمة السلام.
من الواضح في منطلق معالجة الموضوع، أنها تتخذ صيغة الدفاع عن أطروحة هي في ذهن المعالج بمثابة المسلمة التي تكتسي طابع اليقين، انطلاقا من خصوصيتها النابعة من معيار القداسة والتعالي اللذين يمثلان سمة الإسلام، باعتبار ربانيته، أي تنزهه عن التحريف والتبديل، مصداقا لقول الله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (الحجر: 9).
ويأتي الموضوع، من جهة أخرى، كما يتضح من العنوان، في شكل جواب أو رد -ضمن ردود شتى- على ما أثير من كلام كثير، وأسيل من مداد غزير، على إثر مبادرة العيون الملكية السامية الداعية إلى مراجعة المادة الدينية في برامج التعليم المغربي، في أفق الإرساء العلمي والموضوعي والمسئول، لمادة المفروض فيها أن تمثل، ليس كتلة معزولة باردة، أو ملقاة كيفما اتفق في زاوية من زوايا المنظومة التعليمية وأرجائها المترامية، وإنما أن تكون فيها بمثابة الروح الساري في خلاياها، أو عصب الحياة الذي يغذي عروقها وشرايينها، ويمنحها التوهج والقوة والمنعة، ويمكنها من تخريج سلالات متميزة من الأقوياء الأمناء، يعتز بها الوطن، وترفع هامته في السماء.
ويتمثل الرد المشار إليه أعلاه، في أن المادة الإسلامية تمثل صمام أمن وسلام داخل المنظومة التعليمية، شريطة أن يكون إرساؤها مؤسسا على دعائم راسخة من سلامة البناء، وحسن الفهم، وحكمة التنزيل، بما تستلزمه تلك الدعائم من شروط ومعايير ذات علاقة بآليات التنفيذ، ومقومات المحيط، الممثلة بالفضاء المدرسي وما وراءه.
فما هي تجليات الأمن والسلام في المادة الإسلامية في التعليم الأصيل؟ وبتعبير آخر، كيف يتبلور مطلب الأمن والسلام من خلال مضامين ومحتويات مقررات التعليم الأصيل الجديد (المرحلة الابتدائية نموذجا)؟.
وأقف في البداية عند تحديد مفاهيم الموضوع:
1 – المادة الإسلامية:
المقصود بالمادة الإسلامية في التعليم الابتدائي الأصيل الجديد: المضامين الكامنة في مقررات وبرامج المواد الإسلامية المصطلح عليها بالمواد الشرعية، وما تستبطنه من قيم، باعتبارها عنصرا يدخل في نسيج التنشئة والتكوين ضمن باقي المواد التي تؤلف قوام تلك المرحلة. وتتمثل هذه المواد في: مادة القرآن الكريم، ومادة الحديث النبوي الشريف، ومادة الفقه الإسلامي، ومادة السيرة النبوية.
2 – التعليم الأصيل الجديد:
هو التعليم الذي اعتبر في الميثاق الوطني للتربية والتكوين قسيما للتعليم العام، وتم تجديده:
تنظيميا: بإدراجه ضمن النظام التربوي، وإخضاعه من حيث الهيكلة ونظام الدراسة لنفس القواعد المعتمدة بباقي المسالك العامة، باعتباره مكونا من مكونات المنظومة التربوية، وجعله تعليما يواكب التعليم العام من حيث الأدوار والوظائف والأهداف.
وبيداغوجيا: ببناء المناهج الدراسية استنادا إلى المبادئ التي تأسست عليها عملية مراجعة البرامج والمناهج.
وهو التعليم الذي اعتبر وفق المذكرة رقم 83 (24 يونيو 2008) “خيارا استراتيجيا لكونه يندرج في إطار تنفيذ مقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وخاصة المادة 88 التي تنص على إحداث مدارس نظامية للتعليم الأصيل، من التعليم الابتدائي إلى التعليم الثانوي”.
وأضيف هنا أن التعليم الأصيل سمي في وضعه الحالي أو طوره الراهن بالجديد، تمييزا له عن التعليم الأصيل الذي انتقص من أطرافه بامتصاص روافده و اختزال مراحله في الثانوي التأهيلي، وحصر شعبه في شعبتين: الأدبية والشرعية، واللتين يوشك أن لا يوجه إليهما إلا بقايا من الضعفاء الذين قعدت بهم نتائجهم الهزيلة عن التوجه إلى شعب التعليم العام ومسالكه المتنوعة. وهذه الصورة القاتمة هي التي كانت من أهم عوامل نفور شرائح عديدة من التعليم الأصيل في نسخته الجديدة، في ظل غياب معرفة حقيقية بطبيعته وخصائصه، وقيمته المضافة ضمن النظام التربوي المغربي الذي يتطلع إلى التخلص من وضعه المأزوم.
3 – مفهوم الأمن:
إنْ تتبعنا لمفهوم الأمن يوصلنا إلى حقيقة مفادها أنه مستقر في القلب، ومدار مادة “أمن” في اللسان العربي على سكينة يطمئن إليها القلب بعد اضطراب، وأنقل هاهنا قول الراغب الأصفهاني فإنه يكاد يكون جامعا لما في غيره مع تدقيق، يقول رحمه الله: “أصل الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف… و”آمن” إنما يقال على وجهين: أحدهما متعدّيا بنفسه، يقال: آمنته أي جعلت له الأمن، ومنه قيل لله مؤمن؛ والثاني: غير متعدّ، ومعناه صار ذا أمن… والإيمان هو التصديق الذي معه أمن”. كأن الإمام الراغب رحمه الله لا يتصور أن يكون هناك مؤمن وليس عنده أمن، أي سكينة واطمئنان، أي استقرار لا اهتزاز ولا اضطراب ولا قلق ولا حيرة، لأنه مطمئن إلى ربه﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾(الرعد: 28). ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾(الفتح: 4). فالمدار إذن على وجود سكينة في القلب في جميع ما دارت فيه المادة سواء في صورة “أمن” أو “آمن” المتعدي واللازم، المدارُ على هذه السكينة وعلى هذه الطمأنينة التي تأتي في حقيقتها بعد نوع من القلق والاضطراب، وتأتي بعد قدر من الخوف، وهذا الخوف عبر عنه بالخوف نفسه، وعبر عنه بالبأس، وعبر عنه بالفزع ﴿ وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾(النمل:89)، وعبر عنه بألفاظ أخرى غير هذه الألفاظ، ولكن مؤداها جميعا هي أنها تُحدث لدى الإنسان ضربا من الخوف، فإذا جاء الأمن أزال ذلك الخوف، هذا الأصل وهذا المدار الذي تدور عليه المادة يجعلنا نتجه إلى أن المعنى الذي للأمن هو أنه حال قلبية تجعل المتصف بها في الدنيا يرتاح ويطمئن، والموصوف بها في الآخرة يسعد وتحصل له السعادة الأبدية.
4 – مفهوم السلام:
جاء في معجم مقاييس اللغة مادة سلم السين واللام والميم) معظم بابه من الصحة والعافية (…)، وإذا كان السلام من أسماء الله الحسنى، فقد “قرر العلماء أن الإنسان يستفيد من التفكر في اسم” السلام (…) “أن يتحلى بفضيلة المسالمة التي تؤدي إلى الأمن والأمان”.
وإذا نحن قمنا بنظرة تركيبية مركزة وشاملة لموارد لفظ السلام في القرآن الكريم، الذي ورد بصيغ مختلفة في أربعين ومائة مورد، منها اثنا عشر ومائة مورد بصيغة الاسم، من ذلك قوله : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا (النساء:94)، وثمانية وعشرون موردا بصيغة الفعل، منها قوله سبحانه: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها (النور:27)، وجدنا أن تلك الموارد تلتقي جميعا لتصب في معاني السلم والسلامة والمسالمة، والأمن والاطمئنان، التي تعم الزمان والمكان، والإنسان وغير الإنسان، وفي رهافة الإحساس وجمال السلوك وسلامة الموقف وقوة البنيان، وصفاء الجنان.
د. عبد المجيد بن مسعود
—————
( ) عنوان كلمة الدكتور عبد المجيد بنمسعود في ندوة: ترسيخ القيم رهان لإصلاح منظومة التربية والتكوين المنعقدة بوجدة يوم 04 / 04/ 2016 (ينظر تقرير عنها في هذا العدد ص09)
يتبع

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق