في ذكرى وفاة النورسي :هل من سبيل إلى انبعاث جديد؟

iddd

عببد العزيز الإدريسي

elidrissihiba@gmail.com

توطئة:

   لطالما طُرح في المنتديات الفكرية و المؤتمرات الحضارية والحلقات التربوية، السؤال الكبير العريض[1]:كيف لأمة الإسلام أن تخرج من تخلفها وكبوتها التي طالت وعمرت كثيرا؟ حتى تحقق الشهود الحضاري و تلحق الرحمة بالعالمين، عبر بناء المسلم المعاصر ، وإحياء وعيه بأدواره الحضارية، ورسالته الإنسانية.

       وأثناء تقليب النظر وتنويع القراءة في مشاريع النهوض الحضاري التي عرفتها الأمة الإسلامية شرقا وغربا ، والتنقيب في التجارب الناجحة في تجديد الدين وترشيده وتفعيل أحكامه وتحقيق مقاصده تربية للإنسان بالقرآن وبناء للعمران بالإحسان، نجدد المشروع  الإصلاحي الحضاري للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي ، الذي لخصه في: “إنقاذ الإيمان بالقرآن” وفصله في  “كليات رسائل النور”  وجسدته سيرة العلمية ومسيرته  الدعوية التي  مثلت أنموذجا للعالم العامل  والداعية الحكيم والمجدد  الألمعي  والمفكر الموسوعي.

     في ذات السياق تذكرت محاضرة ألقاها الدكتور محسن عبد الحميد[2]  بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس سنة 2001م-، حول “تجديد الدين” عند الأستاذ بديع الزمان النورسي ،وهي عبارة عن ملخص لكتاب ألفه في ذات السنة، لم أستوعب كثيرا مما طرح الأستاذ محسن عبد الحميد ، حتى قرأت رواية “آخر الفرسان[3]” لشيخنا الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله تعالى الصادرة سنة 2006.

    ومنذ ذلك الحين وأنا مهتم بفكر الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي و استراتيجيته الدعوية، فالنورسي عاش عمراً طويلا وعريضا، شهد خلاله أهم الأحداث الكبرى والتحولات العظيمة التي عرفها العالم عموما والعالم الإسلامي خصوصا، وذلك خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ، حيث عاصر مرحلة الضعف والانحطاط الشامل للدولة العثمانية ، كما شهد عملية الإجهاز على ما تبقى من رموز الخلافة الإسلامية وما تلا ذلك من هجوم شرس على مبادئ الإسلام وتعاليمه ، إلى أن توارت تلك الهجمة الشرسة نسبيا نتيجة الصحوة الإسلامية التي كان النورسي أحد فرسانها  وروادها.

من هو بديع الزمان سعيد النورسي: “البصمة الأسرية”

       ولد سعيد النورسي سنة لسنة 1877ميلادية في قرية (نُورس)([4]) ، وهي إحدى قرى(خيزان) التابعة لولاية (بتليس) الواقعة فى شرق الاناضول بكردستان تركيا، فهو كردي كصلاح الدين الأيوبي[5]، هو من أسرة محافظة متوسطة الحال ، تشتغل بالزراعة  ، والده ” الصوفي ميرزا بن علي” ، لقب بالصوفي لتقواه و ورعه ،  حتى إنه  إذا عاد بماشيته  من المرعى شد أفواهها  لئلا تأكل من مزارع الآخرين، والدتـه “نـوريـة بنت مــُلاّ طاهر ” ، عُرفت بالتقوى والصلاح ؛ فلم تكن ترضع أطفالها إلا وهي على طُهر ما استطاعت إلى ذلك سبيلا . وكان أخوه الكبير -الملا عبد الله- عالما يشتغل بالتدريس[6] .

       وفي وقت مبكر من حياة سعيد ظهرت عليه علامات العبقرية و والنبوغ والذكاء، وتميز عن أقرانه بحب القراءة و الاطلاع وكثرة  التأمل والاستفسار ودقة الملاحظة ، وكان يحرص على حضور مجالس الكبار والعلماء حيث النقاش والحوار وإعمال العقل، وفي ذات المرحلة -الصبا والطفولة-كان مهتما بمسائل فلسفية وفكرية عميقة ، كانت تدعوه إلى التأمل والتفكير ، يقول عن نفسه : «كنت قد حدثت خيالي في عهد صباي أي الأمرين تفضل؟ قضاء عمر سعيد يدوم ألف ألف سنة مع سلطنة الدنيا وأبهتها على أن ينتهي ذلك إلى العدم ، أم وجودا باقيا مع حياة اعتيادية ذات مشقة؟ فرأيته يرغب في الثانية ، ويضجر من الأولى قائلا : إنني لا أريد العدم بل البقاء»[7].

بين سعيد القديم وسعيد الجديد: “أستاذية القرآن”

        يعلن بديع الزمان بعد تجربة طويلة ومسيرة عريضة عن انعطافة منهاجية عنوانها الأبرز:”أستاذية القرآن” ،يقول رحمه الله تعالى: «كان سعيد القديم – لزيادة اشتغاله بالعلوم العقلية والفلسفية يتحرى مسلكاً إلى حقيقة الحقائق ، وكان لا يقنع ولا يكتفي بالحركة القلبية كأكثر أهل الطرق ، بل جهد كل الجهد أولاً لإنقاذ عقله وفكره من بعض الأسقام التى أورثتها إياه مداومة النظر في كتب الفلاسفة . ثم أراد بعد أن تخلص من هذه الأسقام أن يقتدي ببعض عظماء أهل الحقيقة المتوجهين إلى الحقيقة بالعقل والقلب ، فحار في ترجيح بعضهم على بعض . . . ، فخطر على قلب ذلك السعيد . . «وحِّد القبلة» أي: إن الأستاذ الحقيقي إنما هو القرآن ليس إلا ، وإن توحيد القبلة إنما يكون بأستاذية القرآن فقط . . وخلال سلوكه ذلك المسلك ومعاناته في دفعه الشكوك ، قطع المقامات وطالع ما فيها ، لا كما يفعله أهل الاستغراق مع غض الأبصار ، بل كما فعله الإمام الغزالي . . مع فتح أبصار القلب والروح والعقل ، ورأى ما فيها بتلك الأبصار كلها[8]

    هذا التحول واكبه تأليف “رسائل النور” عبر حياة متنقلة من سجن إلى سجن ومن منفى إلى منفى، ما بين رجل العلم والسياسة الذي هو(سعيد القديم) إلى رجل القرآن والتربية الذي هو (سعيد الجديد)[9].

بديع الزمان وبناء الانسان

         التحول من سعيد القديم إلى سعيد الجديد   جعل من  “رسائل النور” محورا  لإعادة بناء الإنسان  وصياغته بكل أبعاده، وهنا نورد كلاما نفيسا للدكتور كولن تورنر:”بعد سنوات عديدة من البحث والمقارنة أستطيع أن أقول إن رسائل النور هي المؤلف الوحيد الشامل والمكتفي بنفسه، والذي يرى الكون كما هو في الواقع، ويقدم حقائق الإيمان كما هي، ويفسر القرآن كما أراد نبينا صلى الله عليه وسلم، و يشخص الأمراض الحقيقية الماحقة التي ابتلي بها الإنسان، ويقدم له الدواء الناجع والشفاء...[10].

    وهذا يدل على فاعلية رسائل النور  في إنقاذ الإيمان بالقرآن لأن صاحبها –النورسي- كان يمتلك حسا معرفيا وتربية معرفية على ملكات الفهم والتفكير والتحليل والتعليل والنقد والتعزيز وتوظيف الوسائل المناسبة..[11]

لماذا الإنسان في رسائل النور؟

      في مقال للأستاذ إحسان قاسم الصالحي[12] تحت عنوان” دور رسائل النور في صياغة الإنسان “ قال: عقب المحاضرة التي ألقيتها حول ترجمة رسائل النور في قاعة كلية الآداب في الدار البيضاء بالمملكة المغربية سنة 1998. سألني أحد الطلبة:

“ما الذي دفعك للقيام بهذا المجهود الضخم بترجمة كليات رسائل النور في تسعة مجلدات من اللغة التركية إلى العربية ، فإن جميع المصادر الإسلامية هي باللغة العربية  و منها تُترجم إلى اللغات الأخرى، فما الذي دفعك بالسير المخالف هذا؟.

وكان جوابي جملة قصيرة: أخلاق طلاب النور وسلوكهم الإسلامي. وكل من قرأ رسائل النور هو طالب النور، ولا أزكّي على الله أحداً نعم، عند لقائي طلاب النور في سنوات السبعينات لمست الإسلام حياً نابضاً ومعيشاً في حلّهم وترحالهم، بل كشفت فيهم صفاء الإيمان ونقاء الوفاء وصدق الإخلاص ودوام العطاء، واستشعرت بالاطمئنان والسكينة تغمران قلوبهم.

 

وعند قراءة كتاب:” الشهود الأواخر :شهادات ومشاهدات عن بديع الزمان سعيد النورسي”[13] تتيقن من صدق ما قيل وتقطع الشك باليقين أن  النورسي نجح في بناء الإنسان وإعادة صياغته صياغة قرآنية.

    و يعتبر مصطلح الإنسان كما ورد في كليات رسائل النور-2807مرة- من أهم المفاتيح المفهومية ومن أكبر المسالك الضرورية ، للدخول إلى العالم الفكري[14] والمشروع الإصلاحي لأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، ومنظومته التربوية المعرفية.

    ذلك أنه بنى تأملاته للكون والحياة والمصير على التأمل في الذات الإنسانية،إذا نطلق في فهمه للكون من ذاته كنوع،متدرجا عبر مسالكها إلى آفاق السموات والأرض، متفكرا في كل شيء من خلال ما يجده في نفسه من عجز وفقر، وما يجده في هذه العوالم من امتداد لا يتناهى،ثم بعد ذلك يدخل إلى قضية الإنسان التي هي سر الوجود، ولغز الكون، ومعضلة الفلسفات، يدخلها طبعا من باب القرآن المجيد، ولكن مشاهدا مستبصرا لا قارئا وحسب.ذلك يعني أن الدخول إلى القرآن الكريم من باب المشاهدة والإستبصار يعني مطالعة الكون الكبير والنظر إلى أسراره وآياته.

     من ثم ينظر النورسي إلى الإنسان ليس باعتباره كائنا عاديا وحسب، ولا هو حتى مخلوق أرضي وحسب ،بل هو أبعد من ذلك وأعظم، إنه مخلوق كوني،بمعنى أن الماهية الوجودية للإنسان هي ماهية كونية كبرى.

فالإنسان عند النورسي هو ثمرة شجرة الخلق[15]، والفهرست الكوني الجامع، العاكس الأكمل للأسماء الحسنى[16]،الساعي لتحقيق رغبة البقاء الكامنة في فطرته،المشاهد عبودية الكائنات باستخلافه في الأرض، عبادة كلية للواحد الأحد[17].

   ولا يمكن للإنسان أن يكون كذلك إلى إذا استجاب لنداء القرآن المجيد وذلك بإعادة الاعتبار  لإنسانيته، وإحياء فاعليتها، ليصبح قادرا على استثمار طاقاته الروحية والذهنية والمادية، لينطلق من جديد في آفاق العبودية لله تعالى وإعمار الإرض وإصلاحها.وتحقيق مبدأ الإستخلاف فيها.

إن السؤال الكبير الذي يُطرح اليوم وبإلحاح هو:

كيف استطاع الأستاذ بديع الزمان النورسي –في ظل التحديات الداخلية والمؤامرات الخارجية-أن يبني الإنسان بالإيمان من خلال رسالة القرآن؟-و ما هي أهم عوامل فاعلية الرسائل في صياغة الإنسان  صياغة جديدة؟[18].

هذا السؤال المنهاجي تجيب عليه كليات رسائل النور بشكل علمي، يقول الأستاذ فتح الله كولن:”ومن أهم المواضيع التي اهتم بها بديع الزمان هو شرحه كيف أن الايمان يعد منشورا يحلل الأبعاد الحقيقة لماهية الوجود والإنسان، فهو يرى أن الكون أصبح بفضل الايمان كتابا يمكن قراءته ومعرضا يمكن مشاهدته، أما الانسان فهو لب هذا العالم وجوهره..”[19].

          ومن أجل تنفيذ مشروعه هذا رفع مقترحا إلى السلطان عبد الحميد الثاني لإنشاء جامعة إسلامية في شرقي الاناضول، أطلق عليها إسم “مدرسة الزهراء” – على غرار الأزهر الشريف – تنهض بمهمة نشر حقائق الإيمان وإعادة صياغة الانسان  وتدمج فيها الدراسة الدينية مع العلوم الكونية، في ضوء مقولته المشهورة: “ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الكونية الحديثة وبامتزاجهما تتجلى الحقيقة، وبافتراقهما تتولد الحيل والشبهات في هذا، والتعصب الذميم في ذاك”.

لكن ذلك لم يتحقق فانطلق يكابد رسالات القرآن تلقيا وبلاغا……..

[1] – هذا السؤال طرحه غير واحد بصيغ مختلفة وكانت الإجابة كلها تنصص على محورية الإنسان في النهوض أو السقوط، انظر مثلا:

-لماذا تأخر المسلون ولماذا تقدم غيرهم؟ الأمير شكيب أرسلان

-ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ؟  أبو الحسن علي الحسني الندوي

-شروط النهضة. مالك بن نبي

-الإسلام بين الشرق والغرب. علي عزت بيجوفيتش

– ونحن نبني حضارتنا محمد فتح الله كولن

[2] – من علماء العراق المهتمين برسائل النور،  أوفد إلى المغرب للتدريس في جامعاتها في شعب الدراسات الإسلامية، ما بين سنتي 1982-1985.له كتابات كثيرة حول النورسي أهمها:” النورسي متكلم العصر الحديث” و “من معالم التجديد عند النورسي”

[3]آخر الفرسان “رواية حاول مؤلفها أستاذنا  الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله رسم معالم شخصية الاستاذ النورسي اللافتة للأنظار بأسلوب شائق وبلغة رفيعة ،ط1سنة 2006.

[4]نظرة عامة عن حياة بديع الزمان النورسي إحسان قاسم الصالحي ص7. 

5-صلاح الدين الأيوبي  قائد وزعيم حرر القدس وفلسطين من يد الصليبين  في معركة حطين 4يوينو1187م

[6] – الملا محمد زاهد الملا زكردي : لمحة سريعة من خلاصة حياة الإمام الجليل بديع الزمان ص : 50 .

[7]-بديع الزمان سعيد النورسي : الشعاعات ـ ترجمة إحسان قاسم الصالحي ـ ص : 277 ـ 278 .

[8] -بديع الزمان سعيد النورسي : المثنوي العربي النوري ـ ترجمة إحسان قاسم الصالحي: ص 29 ـ 31

[9] – فريد الانصاري: مفاتح النور نحو معجم شامل للمصطلحات المفتاحية لكليات رسائل النور  ص22-23

[10] – د.كولن تورنر عالم  بريطاني ولد سنة 1955 أسلم سنة 1975 أستاذ بجامعة مانشستر، مجلة النور للدراسات الحضارية والفكرية عدد1 يناير 2010. المقال تحت عنوان :”ثورة الإيمان”.

[11] – د.خالد الصمدي مقال الحكمة وفصل  الخطاب في منهج التربية عند النورسي ص153 مجلة النور للدراسات الحضارية والفكرية عدد4يونيو2011

[12] –  احسان قاسم الصالحي عالم  عراقي جليل ، مترجم كليات رسائل النور من اللغة التركية الى اللغة العربية .

[13] -الشهود الأواخر : شهادات ومشاهدات عن بديع الزمان سعيد النورسي ،يروي الكتاب الذي يقع في أربع مجلدات فصولا متنوعة مثيرة حول جوانب من حياة الأستاذ وعلاقة طلاب النور به وبرسائل النور .تأليف نجم الدين شاهينر ترجمة مأمون رشيد عاكف،ط1 سنة 2012 دار سوزلر للنشر.

[14]–  مفاتح النور د.فريد الأنصاري ص89

[15]-الكلمات  ج1 ص418

[16]– الشعاعات ج4 ص204

[17]-الكلمات ج 1 ص36-64

[18]– بحث مرقون للأستاذ إحسان قاسم الصالحي، وقد حصرها في سبع قواعد ذهبية.

[19]– بديع الزمان سعيد النورسي : المثنوي العربي النوري ـ ترجمة إحسان قاسم الصالحي:تقديم الاستاذ فتح الله كولن ص ز.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق