القيم الإنسانية الداعمة للحوار مع الغير

kafi

               

                      الدكتور أحمد كافي في حوار حول:

           القيم الإنسانية الداعمة للحوار مع الغير

سيرة ذاتية

vأحمدكافي ازداد سنة 1967بالدار البيضاء

vحاصل على شهادة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، تخصص: الفكر الإسلامي والحضارة. وشهادة دكتوراه في الدراسات الإسلامية، تخصص: أصول الفقه

vأستاذ مُكون بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين/ الدار البيضاء، وأستاذ زائرا بكلية الآداب ابن مسيك/ البيضاء

vنائب رئيس تحرير مجلة الفرقان

vخطيب جمعة وواعظ بمساجد الدار البيضاء

vعضو المكتب التنفيذي لمؤسسة المهدي بنعبود للدراسات والإعلام

vعضو الجمعية المغربية للبحوث والدراسات في فقه النوازل

vعضو المنتدى المغربي للوسطية

vعضو المجلس العلمي/ الدار البيضاء

 مؤلفاته المطبوعة:

1.التحريم وضوابطه

2.الحاجة الشرعية حدودها وقواعدها

3.اسكن أنت وزوجك الجنة

4.دليل التَّرك بين المحدثين والأصوليين

5.فتح الرحمان من وصايا الحكيم لقمان

6.الغناء

7.الرحالي الفاروق (سلسلة أعلام مغربية 1)

8.المختار السوسي (سلسلة أعلام مغربية 2)

9.أبو شعيب الدكالي (سلسلة أعلام مغربية 3)

10.حضور الآباء في حياة الأبناء.

11.مقاصد الحياة الزوجية

12.في ظلال آيات الصيام

13.الطهارة: أسرار وأنوار

14.وله عدة مقالات في مجلات وجرائد وطنية ودولية تتناول مواضيع مختلفة في العلوم الشرعية والمجال التربوي والفكري والسياسي.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   شاركتم مؤخرا في الندوةالدولية التي نظمتها الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية بتعاون مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي وماستر التربية والدراسات الإسلامية بالمدرسة العليا للأساتذة بتطوان تحت عنوان:” التربية على القيم الإسلامية ودورها في دعم الحوار والتقارب بين الثقافات والحضارات”وكان عنوان مداخلتكم:”التربية على القيم الإنسانية من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية ودورها في دعم الحوار والتقارب”.   فما هي هذه القيم الإنسانية التي تدعم الحوار والتقارب بين المختلفين؟

ركزت في الورقة التي تقدمت بها في الندوة الدولية على قيمتين أساسيتين، أعتقد أنهما منبع كل خير، وهما: الحرية: لأن المعاناة إنما هي ناتجة عن سيطرة نفسية استعباد الخلق. والرسالات السماوية جاءت لتخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد فقط دون غيره. وهذا هو مقتضى الشهادة التي هي باب الإسلام الأعظم.

فقول المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله، معناها: الاعتراف والإقرار يقينا بأنه لا يستحق أحد أن يعبد في الأرض إلا الله. وكل من استعلى على الخلق أو أراد استعبادهم فإنه مفترٍ عليه، كاذب فيما ادعاه، سالك سبيل المفسدين للقيم والأخلاق والأديان.

ولهذا لم يجد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن ينصف القبطي ويقتص من المسلم وأبيه، ويصدح عاليا: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.

وقد أخذت الأمم مقالة عمر بن الخطاب فجعلتها في مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تحت صيغة: يولد الناس أحرارا.

العدل: ومنبع السيئات والمفاسد غيبة العدل من النفس، ولو أنصف الناس من أنفسهم، لظهرت بركات العدل بينهم في جميع تصرفاتهم.

وما عدا هذه القيم وإن كانت معتبرة راجحة، ولكنها عندي كلها تبع لهاتين القيمتين وفروع.

وأما تفاصيل ما اجتهدت في إبانته فلعل القارئ سيجده فيما ستنشره الجمعية إن شاء الله تعالى من مداخلات المشاركين، أرجو أن يكون قريبا.

         من المعلوم أنه ما من قيمة إلا ولها بعد تربوي ظاهر أو خفي فما هي في نظركم  أهم محددات القيمة التربوية للحوار في الإسلام؟

كما تفضلتم بالقول: إن لكل قيمة قضايا تربوية تستهدفها وتروم تحقيقها، والأبعاد التربوية لهذه القيم، منها:

أولا: الاقتناع الشديد بحق الإنسان في التكريم من جميع الجهات والجوانب، فمادام الإنسان مكرم من فوق سبع سماوات:”ولقد كرمنا بني آدم..”  فنص على آدمية الإنسان من غير نظر إلى دينه أو جنسه أوجهته وقبيلته. كل ذلك لا اعتبارله أمام الآدمية.

ومادام الإنسان مسؤول عن تصرفاته ومحاسب عليها، فيجب احترام ما ذهب إليه وإن كان الكفر الصراح، لقوله تعالى:” ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة”.

وهنا تكون مسؤولية المسلم تجاه جميع المخالفين منحصرة في أمرين اثنين، هما: البلاغ والبيان، الوظيفتان اللتان هما وظيفة النبي الأكرم، في قوله تعالى:”وما على الرسول إلا البلاغ المبين”.

أي أن المسؤولية منحصرة في تبليغ الرسالة من غير زيادة أو نقصان، ومن غير خلطها بشيء من العادات والتقاليد أو الأهواء  والاختيارات. والثانية أن تكون بينة واضحة قوية في البيان والوضوح.

ثم يترك الإنسان لموازين عقله وفطرته ليقرر مصيره بنفسه.

ثانيا: إشاعة روح التعارف المفضية إلى خلق التعاون. لقوله تعالى:” لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

أي أن الهدف هو التعارف المفضي إلى أن لا يجهل أحد مقدار أحد، ويعترف له بمزاياه، وينطلقون على حد سواء في التعاون على الخير من أجل مصلحة الإنسانية.

وهكذا لو ذهبنا نستقصي الأبعاد التربوية ما أمكننا حصرها في رقم من الأرقام، ولكنها إجمالا يراد منها:

أولا: مصلحة الإنسان فردا أو جماعة.

ثانيا: مصلحة الكون الذي نتقاسم سقفه، أو ما يسمي بالبيئة من جميع أبعادها.

ثالثا: مصلحة البشرية في حرية الاختيار من غير إكراه أو تلبيس على اختيارها.

       ما هي القيم الإنسانية من خلال القرآن والسنة التي تسهم في دعم الحوار والتقارب بين الثقافات والحضارات، علما بأن قدرا من الاختلاف حول أي قيمة شعورا وممارسة موجود بين أهل الديانة أو الاتجاه الواحد فكيف بذوي المذاهب المختلفة؟

القيم الإنسانية قيم خالدة لا تعرف التبدل والاختلاف وإن تباعدت القرون بين الأجيال، وتباينت التوجهات والاختيارات العقدية. فالصدق والإخلاص والمروءة والنجدة وحب الخير وممارسته…قيم لن تتغير في يوم من الأيام حتى تكون مجال تنازع البشر حولها.

والآفات كذلك خالدة، فالكذب والغش وسوء المعاملة والخشونة في القول والفعل والاعتداء.. كلها آفات هي بدورها مجال نفور من كل نفس إنسانية تعيش على قيد الحياة.

قد يتنكر الناس للقيم ويجحدونها، ولكن صدورهم مليئة بصحتها وصلاحها، فهم يعيشون صراعا نفسيا مع آفة الجحود التي تلبسوا بها، لقوله تعالى:” فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون”. أي أن الإنكار للخير أنه خير وللشر أنه شر تزييف وجحود، وليس حقيقة منبعثة من اعتقاد مبني على حجة وبرهان.

وعليه إذا وقع النزاع حقيقة في قيمة من القيم، فهذا دليل على عدم اندراجها تحت مفهوم القيم، أو أن التنازع في أحد طرفيه جحود ونكران. نعم، قد يختلف الناس في تنزيل هذه القيم، وهذا موضوع ثان.

       يدعي المستشرقون ومن شاكلهم من المناوئين للإسلام بأن الإسلام انتشر بالسيف مستشهدين بآيات قرآنية مثل قوله تعالى:” قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ” (  التوبة 29).مع العلم بأن بعض المسلمين أنفسهم يقولون بأن هذه الآية وأمثالها نسخت الآيات الداعية لمهادنة أهل الكتاب المسالمين والبرور بهم فما هو الفهم السليم لهذه النصوص التي تبدو متناقضة في نظر الكثيرين؟

هناك آيات للسيف في القرآن الكريم وهي عندي غير منسوخة، وهناك آيات تحث على الجهاد وتدعو إليه وتعتبر ذروة سنام هذا الدين. وليس في ذلك أي طعن على الإسلام البتة أو اتهامه بأي سوء.

فإذا أخذنا دول اليوم، فهل وجود مؤسسات عسكرية وجنود نظاميين، ومسؤولون عن الدفاع، وصناعات حربية دليلٌ على أنهم يريدون نشر أفكارهم بالقوة.

لا توجد دولة من الدول لا يكون عندها قدر من المناعة والحماية الذاتية من أي عدوان داخلي أو خارجي.

والسؤال: ليس في وجود آيات السيف، كما أن السؤال لا يطرح في وجود مؤسسات عسكرية عند كل الأمم من غير استثناء، وإنما السؤال الصحيح هو: هل وظفت آيات السيف أو الجهاد والقتال في العدوان وإكراه الناس والاعتداء عليهم ونهب خيراتهم، أو كانت لمقصد الدفاع والحماية عن الناس.

لقد وظف أهل العلم وتاريخ المسلمين لصالح الإنسانية، حتى دافع ابن تيمية في الجهاد عن حق أهل الذمة، وقال كلمته المشهورة: أهل ذمتنا قبل أهل قبلتنا.

وهنا يجب أن نقارن هذه الوسائل العسكرية عند القوم الذين يتسارعون في التسلح وامتلاك القوة ويكافحون من أجل أن لا تكون لدينا قوة نحمي نحن بها أنفسنا، هل التزموا أخلاقيا وإنسانيا باحترام الإنسانية، أو تهوروا في توظيف السيوف في الغلبة والاستضعاف. ولست محتاجا للحديث عن مخازي الاستعمار ونهب ثروات الأمم والحرص على بقائها متخلفة تحت بريق السيوف الحديثة. فإن الأَوْلى بالسُّبة من دلَّتْ ممارسته على سفهِ سلوكه، وأما الإسلام فإن إعداد القوة إنما هو لإرهاب الذين لا يرهبون خالقا ولا يرحمون خلقا، ولذلك قال تعالى:﴿ترهبون (بالقوة) عدو الله وعدوكم﴾، أي تخيفونهم بإعدادِكم أن يعتدوا عليكم أو أن يطمع طامع فيكم. بمعنى أن الإعداد إنما هو لمواجهة أعداء ديننا، أو أعدائنا نحن المسلمين.

إن السيف من أجل تركيع الناس وإذلالهم والعمل على إكراههم على ما لم يقتنعوا به، عندنا في الإسلام يتعارض مع القواطع الشرعية التي لا تقبل إكراه الناس أو الإساءة إليهم من غير وجه حق.

وأما الجواب عن الجزية، فلا بد من أن نقول فيها ما يوضحها من خلال المضامين الشرعية والتجارب العملية في ممارستها:

1ـ إن الجزية بدل عن الخدمات التي تقدمها الدولة الإسلامية لرعاياها من أهل الملل الأخرى، وليست بدلا عن الإيمان والكفر.والدولة المسلمة إذا لم توفر الخدمات لرعاياها من أهل الأديان المخالفة، أو لم تستطع توفيرها لهم فلا حق لها في أخذ مليم واحد عن خدمات هي عاجزة عن توفيرها. قال ابن رشد:”ما يؤخذ من أهل الكفر جزاء على تأمينهم وحقن دمائهم مع إقرارهم على الكفر، وهي مشتقة من الجزاء وهو المقابلة؛ لأنهم قابلوا الأمان بما أعطوه من المال، فقابلناهم بالأمان وقابلونا بالمال”(حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني:4/ص33).

فظاهر من خلال هذا النص أن الجزية بدلا عما توفره الدولة المسلمة لرعاياها من الأمن والحفاظ على أموالهم وأنفسهم، فهذه الخدمات التي تؤديها الدولة لشرطها ومجالها الأمني، يؤدي منه هؤلاء قسطا بالمعروف.

2ـ ويؤخذ منهم من الجزية ما يقدرون عليه لا ما يعجزون عنه، ولو درهما واحدا، وهنا يحضرنا ما أمر به عمر بن الخطاب ولاته بالقول لهم:”من لم يطق الجزية خففوا عنه، ومن عجز فأعينوه”(تاريخ مدينة دمشق: 1/178).

3ـ إن العاجزين عن أداء هذا البدل(الجزية) ليس من حق الدولة المسلمة أن تطالبهم بها، بل يكون مطلوبا منها هي أن تساعد العاجزين من أهل الكتاب على ما يقيمون به حاجاتهم الأصلية، فتكون الدولة المسلمة في هذه الحالة هي التي تعطي الأموال لهؤلاء من غير أن تطالبهم بها أو تطالبهم بنظيرها إذا تيسر حالهم. وقد روي أن عمر بن الخطاب رأى شيخاً كبيراً من أهل الجزية يسأل الناس فقال:” ما أنصفناك إن أكلنا شبيبتك، ثم نأخذ منك الجزية، ثم كتب إلى عماله أن لا يأخذوا الجزية من شيخ كبير”رواه أبو يوسف في الخراج:150-151).

وفي رواية أن عمر أخذ بيده وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال:أنظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه”(رواه أبو يوسف في كتاب الخراج: 151).

ولو كانت الجزية بدلا عن الكفر ما تنازل عنها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بل وما ذهب إلى أبعد من ذلك حيث أعطاهم هو رضي الله عنه من بيت المال ما يتقوون به على أمور حياتهم.

ولم يخالفه رضي الله عنه أحد من الصحابة وهم متوافرون مجتمعون فكان إقرارا منهم على جميل صنيعه رضي الله عنهم أجمعين.

كما لم يتوقف رضي الله عنه عند هذا الحد بل أصدر قراره إلى ولاته بالقول لهم:”من لم يطق الجزية خففوا عنه، ومن عجز فأعينوه”(تاريخ مدينة دمشق (1/178).

ولم يكن هذا العمل منه رضي الله عنه وحده، بل كان خلقا فاشيا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كتب خالد بن الوليد لنصارى الحيرة كتابه المشهور، وفيه:” وجعلتُ لهم (أي لنصارى الحيرة) أيما شيخ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه؛ طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله”(رواه أبو يوسف في كتاب الخراج: 151).

4ـ إن الجزية لا تؤخذ من صبي أو امرأة أو نفس غير حرة، وهو إجماع كما ذكر العلماء، قال ابن المنذر: “وأجمعوا على أن لا تؤخذ من صبي ولا من امرأة جزية، وأجمعوا على أن لا جزية على العبيد(الإجماع: لابن المنذر: ص81).

ومرة أخرى نقول: لو كانت الجزية بدلا عن الكفر ما تساهل الفقه الإسلامي بالإجماع حول عدم أخذها من كل نفس مؤمنة صغير أو كبيرة، ذكر أو أنثى.

وبهذا يتبين أن خرافة انتشار الإسلام بالسيف أو أن الإسلام يحتقر الآخرين بفرض الجزية عليهم لأنهم يخالفونه في المعتقد لا تصمد أمام الحقائق التاريخية، وإن مؤرخي النصارى المنصفين عندما وجدوا هذه الوثائق الإسلامية الرائعة من العصور المشهود لها بالخيرية، شهدوا أن النظام الإسلامي في مجال الجزية من أعظم الإبداعات الإسلامية في التعامل مع المخالفين، تتميز بالرحمة، وفي هذا الصدد يقولالمستشرق بارتولد في كتابه “الحضارة الإسلامية”:” إن النصارى كانوا أحسن حالاً تحت حكم المسلمين، إذ أن المسلمين اتبعوا في معاملاتهم الدينية والاقتصادية لأهل الذمة مبدأ الرعاية والتساهل “(تاريخ أهل الذمة في العراق: توفيق سلطان: 124).

فلا داعي للتشويش بالجزية في التعامل مع أهل الكتاب أو تفسير ذلك من بعض المسلمين بما يخالف التكريم الإلهي للإنسان باعتباره إنسانا بغض النظر عن دينه أو لونه أو جنسه، قال تعالى:﴿ ولقد كرمنا بني آدم﴾، فالكرامة سابقة على انتسابه لدين أو ملة.

      تتجه أفهام إلى كون أهل الكفر والعصيان مصدر خطر محقق على الإيمان والمؤمنين مما يجعلهم لا يرون فسح المجال أمامهم ليعبروا عن فكرهم وموقفهم مستساغا في ميزان الدين، كما لا يرون الحوار معهم ومعاملتهم أمرا مشروعا، فما هو الخطأ والصواب في هذه الأفهام؟

لا أرى أن أهل الكفر والمعصية مصدر خطر علينا، للأسباب الآتية:

1ـ أن الله تعالى جعل الحياة الدنيا دار ابتلاء، قال تعالى:﴿ ليبلو بعضكم ببعض﴾، واختيار الإيمان إذا كان هو الموجود في الأرض دون غيره لا يتحقق فيه الابتلاء القرآني:﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾، فيفتح الإنسان عينيه على الكفر والإيمان، ويتحمل مسؤوليته في اختيار أحدهما بمحض إرادته وواسع قناعته، قال تعالى:﴿ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة﴾.

2ـ إن الأنبياء والرسل لم يروا في هؤلاء الجاحدين إلا خطرا عليهم أنفسهم، ولذلك كان الدعاء المشهور:” من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وهو قوله تعالى:﴿ من أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها﴾.

ولكن الخطر أن هؤلاء إذا لم يقصِّروا في الدعوة لباطلهم، وقصَّرنا نحن في الدفاع عن حقنا. فاللوم على المقصر منا في تخليه عن واجب الجندية لدينه وخدمة رسالته. فكأننا نريد أن نلقي اللوم على المجتهد في سبيل الشيطان.

نعم، هنا يكون الخطر، لأننا لا ندري أيبقى أهل الكفر متمسكين باحترام الإنسان وما اختاره لنفسه أم لا؟

لقد أكدت الوقائع التاريخية أنهم إذا استأسدوا وتفوقوا لا بد وأن الشر محدق بالمسلمين، ونحن إنما ندعو لإيقاف الرعونات، من باب توازن القوى الضامن للتعامل بقواعد الأخلاق والفطرة الإنسانية. وهذا المعنى هو الذي كان يحذره عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان يستعيذ منه بالقول: اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة”.

إن الحوار مع المخالفين إذا قبلوا منا مائدته فريضة شرعية يأثم تاركها، لأنها فرصة عظيمة في التمكين لمبادئ الإسلام وإن لم يسلموا، فإن الدين له أثر في النفوس وقوة على القلوب، ولذلك كان الكفار يجدون قوة الدين أثناء الحوار والاستماع فأصدروا قرارا بالإكثار من اللغط والفوضى حتى لا يعرف حق من باطل، ولا يتبين خير من شر، قال تعالى وهو يؤكد على قرارهم الجائر وبيانهم الظالم:﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾.

إننا إذا كنا مقتنعين يقينا أن هذا القرآن لو أنزل على الجبال الراسيات لكان له تأثير فيها بالخضوع والاستسلام، لقوله تعالى:﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله﴾.

فإن قلوب البشر لن تكون أشد قسوة من الصخور العاتيات. فلا خوف علينا من وجود كفر يسير في الناس، ولكن الخوف أن لا يقابله إيمان يعرض هو أيضا على الناس. من هنا نبدأ في الاشتغال.

       لماذا يحرص الإسلام على توفير فرص التواصل بالحوار والمعاملات الأخلاقية والتجارية بل والثقافية مع الآخر المسالم، ولأية غاية يقوم بكل ذلك؟

الإسلام ينطلق من مقصده العظيم في إرسال الرسل والأنبياء ومنهم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، والذي هو الرحمة بالمخالفين ما وسعهم الانضباط لأخلاق الإنسانية والفطرة. لقد ذكر الحق سبحانه وتعالى هذا المقصد السامي بالقول:﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، فهو عليه الصلاة والسلام الرحمة المهداة للعالمين من غير استثناء، إلا من أبى وركب سفينة الرفض.

ثم تنطلق من هذه الرحمة في الحوار مع المخالفين، مقاصد لا تقل في الأهمية، منها:

*التمكين لفرص التعريف بالدين الإسلامي الذي يمكن أن تكون الصورة المشوهة التي يقدمها الأعداء عنا مانعة للمغفلين والجاهلين من اختياره دينا.

*تحييد المخالفين عن طريق الحوار من المشاركة في الصراعات والحروب ضدنا، وأننا معنيون بتحييدهم واحترامهم وتركهم وما يدينون به إلا أن يريدوا تغيير ما يعيشون عليه من قناعات بقناعات أخرى جديدة مصدرها الإسلام ونور الوحي من غير إكراه.

*المساهمة في سعادة الإنسانية عن طريق التأثير والتأثر، فإن حاجتنا إليهم لا تقل عن حاجتهم إلينا. ونحن متساوون في شدة حاجة بعضنا إلى بعض. فإما أن نختار الحوار طريقا لتبادل المنافع، أو نختار إفناء بعضنا البعض واعتداء بعضنا على بعض.

وأما الإسلام فقد اختار طريق الحوار كلمة سواء بين جميع الخلق. ولهذا لم يجد علماؤنا حرجا في القول: والناس إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الإنسانية.

إن آباءنا الأولين دخل على أيديهم الجمهور العظيم من الشعوب في الإسلام بسبب المعاملات التجارية التي كانت بينهم وبين غيرهم، فإذا كان حال هؤلاء مع قلة البضاعة العلمية في الدين، ولكن مع منسوب عال من الالتزام بحقائقه أمكنهم أن يكونوا أدلة واقعية على صدق دينهم إن عجزت ألسنتهم عن الإفصاح على عظمته. فكيف يجب أن يكون حالنا اليوم؟.

     إن  هذا العجز، سببه:

*إما قلة علم يخاف منها الإنسان على نفسه عند الجلوس على بساط الحوار.

*وإما ضعف التزامه بالدين، من حيث يجعله هذا الضعف متهيبا من الدفاع عن دين الإسلام. فيفتضح من جانب جهله، أو يفتضح من جانب رقة تمسكه بإسلامه.

وهذان لا يعالجان بالهروب ومنع المؤهلين للقيام بهذه الفريضة، وإنما يعالجان بالتوبة وصدق الالتزام، وبالعكوف على العلم الذي أمرنا به والزيادة منه.

       هل ينفع الحوار مع الجهات الباغية على الأمة الإسلامية والمحتلة لبعض أراضيها مثل إسرائيل؟ أم أن الحوار يظل مطلوبا ومفيدا في جميع الأحوال؟

لا ينفع الحوار مع البغاة حتى يوقفوا بغيهم ويردوا ما اغتصبوه لأهله، هذا من ناحية النظر أن الأمة لا يجب عليها أن تتورط في الحوار مع اليهود المعتدين، أما اليهود غير المعتدين والذين يرون أننا أصحاب حق ظلمنا في حقنا، وينتصرون لمظلمتنا في فلسطين، وذلك كجماعة ناطوري كارتا وغيرها، فإن الحوار معها، والبرور بها، وعدم حشر المسيء مع الخير الفاضل هو السداد في هذا الباب.

ولكن المقاتلين من إخواننا في أرض فلسطين، سواء المجاهدين عن طريق السياسة أو المجاهدين عن طريق البندقية، فأرى أنه يجوز لهم الدخول في حوار مع العدو إذا رأوا في ذلك مصلحة لأهليهم، وقرروا بأغلبيتهم أو بالإجماع منهم أن الأفضل الدخول في الحوار معهم إذا تعين سبيلا لجلب المصالح ودفع المفاسد عن أبناء شعبهم.

وأما غيرهم من أهل الإسلام الذين لم يكتووا عقودا بنار الحصار والقتال والمذابح الصهيونية …وغيرهما من المظالم الآثمة التي أوقعتها جماعة اليهود الغاصبين عليهم ، فليس لهم إلا تجنب الحوار مع اليهود إعانة لأهلنا في أرض فلسطين على الصمود و الوقوف إلى جانبهم.

                                                والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق