د.محمد بولوز: داووا الغش بخلق النصح والإحسان

images_kotab-alrai_mohamed_boulouz-232x300

الغِشُّ نقيض النُّصح، وغشَّه لم يمحضه النُّصح، وأظهر له خلاف ما أضمره، وزين له غير المصلحة. ولبن مغشوش مخلوط بالماء، وسلعة مغشوشة أي مخلوط فيها الرديء بالجيد ونحو ذلك، قال صاحب التنبيهات: (الغِشُّ: كتم كل ما لو علمه المبتاع كرهه) (الذخيرة للقرافي ج5ص172) . ومن معانيه النقص كالشأن في الميزان،ومن حقائقه ” إخفاء وكتمان ما في السلعة من نقص أو عيب.

وقد ذمَّ الله عز وجل الغش وأهله في كتابه وتوعدهم بسوء العاقبة قال تعالى: وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:1-3]. فالويل والعذاب لمن يبخس وينقص المكيال والميزان وهو مظهر من مظاهر الفساد عظيم.

وقد حذر النبي من الغش وتوعد صاحبه، فقد مر النبي على صُبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً. فقال: { ما هذا يا صاحب الطعام؟ { قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: { أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس “من غش فليس مني { وفي رواية: { من غشنا فليس منا { وفي رواية: { ليس منا من غشنا { [رواه مسلم].

وفي رواية للطبري:” فقال لصاحبه: ما حملك على هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق إنه لطعام واحد قال: أفلا عزلت الرطب على حدته، واليابس على حدته فيبتاعون ما يعرفون، من غشنا فليس منا ) ، فالغاش يكاد يفقد مجرد الانتساب إلى أهل الدين والإيمان، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ليس منا” وكفى به زجرا وردعا لمن يتعظ ويقلع عن خطورة فعله وجرمه.

قال الخطابي في شرح السنن: في معنى “ليس منا” معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا، يريد أن من غش أخاه وترك مناصحته فإنه قد ترك اتباعي والتمسك بسنتي … وهذا كما يقول الرجل لصاحبه أنا منك وإليك، يريد بذلك المتابعة والموافقة، ويشهد لذلك قوله تعالى :{ فمن تبعني فإنه مني , ومن عصاني فإنك غفور رحيم }]. عون المعبود شرح سنن أبي داود 9/231.

روى النسائي عن أبي هريرة قال “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة”.

مظاهر الغش

من الأمور التي برع فيها كثير من الناس تفننهم في أنواع الغش وأشكاله ومظاهره وصوره حيث تستعصي على الحصر والعد وتحتاج في كثير من الأحيان إلى خبراء ومتمرسين في كل مجال مجال، لكشفها وبيان حقيقتها، وإن الغش يتطور بما يظهر أنه تطور في الانسان، يواكب خبراته عبر الزمن، ما لم يكن له رادع من دين أو خلق أوضمير أو صرامة في القانون والجزاء وتطبيقهما، وإن المتأمل في واقع الحياة يذهله التنوع الرهيب في المجال: الغش في الدين والتدين، الغش في العلم والتعلم والبحث والامتحان، الغش في الرعية وفي المسؤوليات، الغش في البيع والشراء، الغش في النصيحة، الغش في الزواج والعلاقات الاجتماعية، الغش في العمل والصناعات.. ونختار الحديث عن الغش في الإمتحان.

فما أكثر طرق الغش في الامتحان ووسائله بين التلاميذ والتلميذات والطلبة والطالبات بل حتى من كثير من الكبار عند التقدم للمباريات ومحطات الترقيات، وسبب ذلك أساسا ضعف الوازع الديني، ورقة الإيمان، وقلة المراقبة لله تعالى أو انعدامها. ويذكي من ذلك: انخفاض مستوى التحصيل الدراسي، والرغبة في النجاح بأية وسيلة، والرغبة في الحصول على الدرجات المرتفعة بأي ثمن ولو كان هو الغش والخداع، ووجود ظواهر تنخر العملية التعليمية التعلمية من أساسها مثل الاهمال من المدرس والمتعلم، وعدم تركيز هذا الأخير أثناء تناول الدرس وعدم مشاركته في الحصة الدراسية إذا وجد من يشركه، وشيوع الاتِّكاليَّة والتكاسل والتقليد، وعدم الاستعداد الجيد للاختبارات، وقلة فروض المراقبة المستمرة التي تهيء التلاميذ لحسن التعامل مع المحطات الاشهادية، واختلاف النوعية بين فروض الفصول الدراسية وبين الامتحانات الموحدة، والتساهل في عملية المراقبة أثناء الامتحانات والتواطؤ أحيانا بين الأطر التربوية والإدارة بحجة الحفاظ على ترتيب المؤسسة ضمن اللوائح الاقليمية والجهوية ونحو ذلك، والتهاون في تطبيق عقوبات الغش المسطرة، وعدم إفراد كل تلميذ وطالب بمقعده وتقارب المتبارين بما يمكنهم من النظر في إجابات بعضهم. وعدم إزالة ما يساعد على الغش من بين يدي المتبارين من دفاتر وأوراق وكتب وأدوات إلكترونية بحيث لا يبقى في طاولتهم غير أوراق التحرير وأوراق التسويد مختومة ومختلفة الألوان بين المتجاورين، ومن ذلك التركيز في كثير من الاختبارات على التذكر والحفظ وما هي وماهو واذكر وما يرسخ قاعدة “بضاعتنا ردت إلينا” وقليلا ما تستهدف المستويات العليا للتفكير كالتحليل والتركيب والتمييز والتقويم، والوضعيات التي تقتضي حسن التصرف في الموارد وليس مجرد استحضارها، يضاف إلى ذلك عدم حماية المخلصين الراغبين في أداء واجبهم كاملا في صرامة مراقبة الامتحانات من الاعتداءات والتحرشات بهم وبسلامتهم وسلامة ممتلكاتهم كالسيارات ونحوها مما يحدث من أشكال الانتقام.

النصيحة والاحسان من الأدوية الناجعة لآفة الغش:

إن من شأن الوازع الديني وغرس الرقابة الربانية في النفوس أن تحد من آفة الغش فالمؤمن مرآة آخيه إذا رأى فيه عيباً أصلحه. والنصيحة تكون بكف الأذى عن المسلمين، وتعليمهم ما يجهلونه من دينهم، وإعانتهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم، وعلاج خلافهم، ودفع المضار عنهم بجلب النافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، برفق وإخلاص، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم،ورحمة صغيرهم، وتخوّلهم بالموعظة الحسنة، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، ويكره لهم ما يكرهه لنفسه من المكروه.

والايمان يحث على التوبة من هذه الآفة: واستحضار منهج السلف الصالح في نبذ الغش، جاء في مسند أحمد في قصة الرجل الذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة،لما سئل:
مَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قال رسول الله ص فقال:” إنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ”.

روى الحافظ أبو القاسم الطبراني بإسناده أن جرير بن عبد الله البجلي- رضي الله عنه- أمر مولاه أن يشتري له فرساً، فاشترى له فرساً بثلاثمائة درهم، وجاء به وبصاحبه لينقده الثمن، فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خير من ثلاثمائة درهم، أتبيعه بأربعمائة درهم؟ قال: ذلك إليك يا أبا عبد الله. فقال: فرسك خير من ذلك أتبيعه بخمسمائة درهم؟ ثم لم يزل يزيده مائة فمائة، وصاحبه يرضى وجرير يقول: فرسك خير إلى أن بلغ ثمانمائة فاشتراه بها. فقيل له في ذلك فقال: إني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم.

(وكان جرير بن عبد الله إذا قام إلى السلعة يبيعها بصَّر عيوبها ثم خيَّره، وقال: إنْ شئت فخذ، وإنْ شئت فاترك، فقيل له: إنك إذا فعلت مثل هذا لم ينفذ لك بيع، فقال إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ص803 والطبراني في الكبير ج2 ص359.
فلا شك أن تصحيح أمر الغش في الناس يكون بإشاعة خلق وفضيلة النصح والنصيحة التي تكون لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ويكون نبذ الآفة بكف الأذي وبالإحسان في أمور الخير كلها.

الإحسان غاية رتب الدين:

إن الإحسان الحق ليس إحسان الصلاة والصيام فقط، بل هو منهج حياة وأسلوب معيشة، هو عبادة ومعاملة، هو صلاة وحسن خلق، هو طاعة وأداء الحقوق إلى أهلها. إنه إن أخذنا أي شيء في حياتنا بجدٍّ وصدق؛ مع ربنا سبحانه، في أنفسنا، في أعمالنا، في بيوتنا، في تربيتنا لأبنائنا، في تعاملنا مع من حولنا، في التزامنا بوعودنا ومواعيدنا، وطريقة تفكيرنا ، وفي كل شيء. نكون ممن نبذ الغش وتزيى بزي الاحسان والجودة والاتقان.

مرَّ عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- على غلام يرعى أغنامًا لسيده، فأراد ابن عمر أن يختبر الغلام، فقال له: بع لي شاة. فقال الصبي: إنها ليست لي، ولكنها ملك لسيدي، وأنا عبد مملوك له. فقال ابن عمر: إننا بموضع لا يرانا فيه سيدك، فبعني واحدة منها، وقل لسيدك: أكلها الذئب. فاستشعر الصبي مراقبة الله، وصاح: إذا كان سيدي لا يرانا، فأين الله؟! فسُرَّ منه عبد الله بن عمر ، ثم ذهب إلى سيده، فاشتراه منه وأعتقه.

فلب الإحسان مراقبة الله في السر والعلن، وفي القول والعمل، وهو فعل الخيرات على أكمل وجه، وابتغاء مرضات الله.
والإحسان مطلوب من المسلم في كل عمل يقوم به ويؤديه. وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، ولْيحد أحدكم شَفْرته، فلْيُرِح ذبيحته) [مسلم]. فيكون:

الإحسان مع الله: وهو أن يستشعر الإنسان وجود الله معه في كل لحظة، وفي كل حال، خاصة عند عبادته لله -عز وجل-، فيستحضره كأنه يراه وينظر إليه.
قال صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) [متفق عليه].

ولابد للمؤمن أن يُنَزِّه إحسانه عن النفاق والمراءاة، كما يجب عليه ألا يمن بإحسانه على أصحاب الحاجة من الضعفاء والفقراء؛ ليكون عمله خالصًا لوجه الله. قال تعالى: {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم} [البقرة: 263].

الإحسان إلى النفس: المسلم يحسن إلى نفسه؛ فيبعدها عن الحرام، ولا يفعل إلا ما يرضي الله، وهو بذلك يطهِّر نفسه ويزكيها، ويريحها من الضلال والحيرة في الدنيا، ومن الشقاء والعذاب في الآخرة، قال تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} [الإسراء: 7].

الإحسان في العمل: والمسلم يحسن في أداء عمله حتى يتقبله الله منه، ويجزيه عليه، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) [البيهقي].

جزاء الإحسان

المحسنون لهم أجر عظيم عند الله، قال تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن: 60]. وقال: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً} [الكهف: 30]. وقال: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة: 195]. فالإسلام والإحسان فيه من أحسن الدين عند الله، قال تعالى”وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا(125)النساء، ومن الجزاء:الفوز بحب الله،قال تعالى:” وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين(195)” البقرة، ورحمة الله قريبة من المحسنين، قال تعالى” وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56)” الأعراف، وللمحسنين الزيادة عند ربهم، قال تعالى:وَإِذْ قِيلَ لَهُمْ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(161)الأعراف، وللمحسن الأجر والأمن من الخوف والحزن، قال تعالى:” بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون(112)البقرة، ثم للمحسن المجتنب للغش رضوان الله ودخول الجنة، قال تعالى:” وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(100)التوبة.
محمد بولوز
استاذ بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الرباط

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق