أسلوب القصة التربوي وتوظيفه في تدريس مادة التربية الإسلامية

y

 ذ. يوسف الشاطر

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فإن تدبير الموقف التعليمي يتطلب أساليب تدريس تؤدي إلى تنمية القدرة على التعلم لدى المتعلمين لتنمية شخصياتهم، ولا يتم ذلك إلا إذا حدث تواصل بين المتعلم والمعلم بعيدا عن أسلوب التلقين. ومن المسلم به أنه لا يوجد أسلوب واحد أو طريقة واحدة في التعليم، بل هناك أنماط وأساليب تدريسية مختلفة ومتباينة، كما أنه لا يوجد أسلوب تدريس واحد أفضل يصلح لكل المواقف التعليمية التعلمية، فجودة الأسلوب التدريسي ومحكه ومعياره يتحدد بمدى توافقه مع الهدف أو الأهداف التعليمية المرسومة والمنشودة، مع مراعاة استعدادات المتعلمين ومستوياتهم، وإثارة اهتمامهم بمادة التعلم، وتمكينهم من السعي لفهم الأشياء من أجل مواجهة المشكلات والوصول إلى الحلول.[1]

ولا شك أن لتنوع الأساليب أهمية كبرى في العملية التربوية، فهي ذات وقع على نفسية المتلقي، وتمكن من اختيار ما يناسب واقع حاله، والظروف المحيطة به، كما أن تنوعها يجعل فرص تأثيرها في الفئة المستهدفة كثيرة؛ ذلك أن الناس تختلف في تقبل الأساليب التربوية، فالبعض يتأثر بأسلوب الحوار، والبعض يتأثر بأسلوب الموعظة، والبعض يتأثر بأسلوب الترغيب والترهيب.[2]

هذا وقد دعت الوثائق الرسمية الصادرة عن وزارة التربية الوطنية إلى تنويع طرق وأساليب ووسائل وأنشطة التدريس. فقد جاء في البرامج والتوجيهات التربوية الخاصة بمادة التربية الإسلامية بالسك الثانوي الإعدادي: “في إطار منهاج منفتح، ينبغي تنويع الطرائق والوسائل والأنشطة التعليمية، ومراعاة خصوصيات المتعلمين وبيئتهم عند بناء الوضعيات التعليمية”[3]

و لا شك أن تنويع الطرائق والوسائل والأنشطة التعليمية يختلف من مادة إلى أخرى نظرا لخصوصيات كل مادة من جهة، وأهدافها من جهة أخرى. وقد تعددت أساليب وطرق التدريس الحديثة بفضل الدراسات والأبحاث العلمية في مجال علم النفس التربوي، حيث صرنا نسمع بأسلوب التربية باللعب، وبيداغوجيا الخطأ، وطريقة حل المشكلات، والعصف الذهني، وأسلوب القصة.

وتعد القصة من أجمل وأقدم الأساليب التربوية وأكثرها تأثيرا في المتلقي، والتي استخدمها المربون منذ أقدم العصور، واستمر استخدامها إلى يومنا هذا. ولعل الشعوب بمختلف درجات رقيها فطنت في وقت مبكر إلى الدور الكبير للقصة في تربية وتعليم الأطفال؛ فحتى يضمنوا استمرارية الأعراف والقواعد المنظمة لحياتهم واحترامها من طرف الجميع، جعلوها في قوالب قصصية باختراع حكايات شعبية تحكيها العجائز للأطفال تُسَربن عبرها ضمنيا ودون عناء مختلف الأعراف إلى نفوسهم.[4] فمن منا لا يذكر قصة حكاها له والده، أو والدته، أو جده أو جدته، قصة تركت بصمتها في نفسه وقتا ليس باليسير، بل ظل يحتفظ بها حتى صار هو نفسه يحكيها لأولاده.

إن لأسلوب التعليم من خلال القصة آثاراً تربوية بليغة؛ ذلك لأن التعليم بالقصص يشوق المتعلمين، ويشد انتباههم، ويؤثر في عواطفهم ووجدانهم، ويربطهم نفسياً بالمواقف التي يواجهونها، فيسعدوا لسعادتها ويحزنوا لحزنها، ولهذا نجد أن القصة الصادقة إذا وضعت في قالب عاطفي مؤثر تحرك الدوافع الخيرة لدى الإنسان، وتطرد النزعات الشريرة عنه؛ فهي تجعل المتلقي سامعاً أو قارئاً أو مشاهداً يتأثر بأحداثها ومواقفها، فيميل إلى الخير ويفعله، ويمتعض عن الشر ويجتنبه. وبذلك تؤدي القصة دوراً مفيداً في تربية النشء وحملهم على مكارم الأخلاق[5].

وانطلاقا من أهمية القصة من الناحية التربوية دعا كثير من التربويين إلى إدخالها في المناهج الدراسية لما لها من دور كبير في تثقيف الطفل وتعليمه وتربيته.[6]

وقد تعددت تعاريف القصة بتعدد التوجهات الأدبية، وعموما يمكن تعريف القصة المرادة هنا بأنها: “حادثة وقعت، لها بداية ونهاية، مرتبطة بأسباب ونتائج، تتخللها دروس وعبر يهفو إليها السمع، وينجذب إليها الذهن، ويتحرك لها الفؤاد، ويتأثر منها الوجدان”[7]

أهمية أسلوب القصة في مجال التربية

لا تعتبر القصة أسلوبا من الأساليب التربوية فحسب، بل مدرسة مفتوحة تكسر حدود العرف، فهي في غرفة النوم وقاعة الدرس وكرسي الطائرة،  تستخدم اللغة وتخدمها، وتعلم الأمة وتمتعها، وتنقل إلينا تجارب الآخرين المخططة والناضجة والتي تمتد سنين وقرونا نعتصرها في يوم أو بعض يوم، فنعيش عمرنا أعمارا وعصرنا عصورا.[8]

ويعتبر أسلوب القصة في التدريس أحد الأساليب التربوية المهمة، التي يشغف بها الكبار والصغار معها، وأقوى العوامل لاستثارة الإنسان في مختلف مراحل عمره، فهو ميال إلى القصة سواء لسماعها، أو قراءتها أو مشاهدتها، وذلك لأنها تجذبه، وتشحذ انتباهه، وتحفز دافعيته إلى التعليم، كذلك  تعد القصة عاملا تربويا يسهم في نشر الاتجاهات والقيم المرغوبة، وأسلوبا لإثارة التفكير وتنميته لدى الطالب.[9]

 فالقصة تحتل مكانا متصدرا بين الأساليب التربوية المستخدمة في التربية، نظرا للعناصر المشوقة التي تحتويها، والتي تتحد مع بعضها البعض في اتساق وتركيب عجيب، يضفي طابع تشويق، ويجذب نحو انتباه الصغير والكبير، مؤثرا بذلك في عواطفه وانفعالاته وعملياته العقلية، ودافعا بعد ذلك لمعاينة الأحداث المتطورة، وتقليد الشخصيات المتعددة في الحياة اليومية الواقعية، خاصة إذا كانت تعيش في أوضاع متشابهة لمجريات وأحداث القصة.[10] وذلك لما في هذا الأسلوب من المحاكاة لحالة الإنسان نفسه، فتراه يعيش بكل كيانه في أحداث القصة، وكأنه أحد أفرادها، بل وكأنه هو” بطل القصة” أو” الشاهد” فيها، فيَرَى من خلالها كلٌ من الصالح والطالح ما في نفسه من أحاسيس، وما في خَلَده من أحاديث، وما يجري حوله من أحداث وحوار.[11]

ولهذه الأسباب كانت القصة ولا تزال مدخلا طبيعيا يدخل منه أصحابُ الرسالاتِ والدعواتِ، والهداةُ، والقادةُ، إلى الناس وإلى عقولهم وقلوبهم، ليلقوا فيها بما يريدونهم عليه، من آراءَ، ومعتقداتٍ وقيم، وذلك لأن الإنسان مولع بالقصص ويميل بفطرته إليها، وإذا ما قص عليه جزء من قصة حرص على متابعة أحداثها حتى النهاية، فغريزة حب الاستطلاع تعلق عين السامع وأذنه وانتباهه بشفتي القصصي البارع استشرافا لمعرفة ما خفي من بقيتها، ولذلك لما قص القرآن الكريم خبر موسى والخضر، قال صلى الله عليه وسلم: “وددنا أن موسى كان صبر فقص الله علينا من خبرهما”[12]

أهداف أسلوب القصة التربوي

تتعدد أهداف القصة الموظفة في مجال التدريس والتربية، فهناك الأهداف الخاصة، وهي متعلقة بكل نوع من أنواع القصة، فقد تأتي القصة لمجرد التسلية والترفيه، وقد تأتي لترسيخ قيم وسلوكيات معينة. وهناك الأهداف العامة التي لا يستغني الأستاذ أو المربي عن معرفتها عند استخدام القصة كأسلوب تربوي، على اعتبار أن كلا منها يساهم في تنمية وإعداد الفرد في جانب من جوانب نموه المختلفة.

وعموما يمكن إجمال أهداف القصة التربوية فيما يلي:

– ترسيخ مفاهيم العقيدة الإسلامية، وإفهامها للطفل، والترغيب في التحلي بالقيم المثلى والأخلاق الفاضلة، والتنفير من الرذائل والصفات المذمومة،[13] وذلك من خلال الشخصيات التي تحتويها القصة، والقيم الخلقية التي تعرضها، والتي تدفع الطفل إما لتقليدها والسير على نهجها، وإما إلى الاشمئزاز والنفور منها.[14]

– اكتشاف المحيط الاجتماعي بمختلف مكوناته وتنوع مجالاته، والتفاعل الإيجابي معه، واكتشاف الذات والوعي بها وبحاجاتها النفسية والاجتماعية والفكرية، وتحقيق التوازن بينها وبين محيطها. وهو من الأهداف المنصوص عليها في الوثائق الرسمية المؤطرة للنظام التربوي المغربي.[15]

– تعريف الطفل بالحياة بأبعادها الماضية والحاضرة وحتى المستقبلية، فالطفل بحكم خصائصه يتميز بطلاقة الخيال وهو في حاجة إلى دعم خياله وإثراء تصوراته، لذلك فهو يجد في القصة ضالته المنشودة وعالمه الأثير الذي يجد فيه السحر والخيال والمتعة، فهي تأخذه بين أحضان الطبيعة حيث الزهور، و الأشجار، والغابات والحيوانات، وتقلبه تارة بين السعادة والهناء، وتارة بين البؤس والشقاء.[16]

– إمداد الطفل بالمعلومات والمعارف التي تعمق نظرته للحياة، والتي تعرفه بالبيئة من حوله، وتكسبه فن التعامل معها، فالقصة التي تتوافق مع تجارب الطفل تدفعه للاستمتاع بها ولاستنتاج الكثير من المعلومات منها، خاصة إذا كانت تستثير عواطفه وعقله الباطن من خلال معالجتها لمشاكله الحقيقية، فعندها سيرى ذاته من خلال رؤية الآخرين، وسيتوصل إلى فهم أفضل لذاته.[17]

– تنمية شخصية الطفل وقدراته العقلية، بتمكينه من الحكم على الأشياء، وربط الأسباب بالنتائج، وتحقيق التوازن النفسي.[18]

– توسيع مجالات مهارات الأطفال، وتنمية قدرتهم على إدراك الأشياء وفهمها، ومواجهة المواقف الجديدة، وتطوير خبرتهم وتنمية الفكرة والذاكرة لديهم؛ من خلال تقديم الحقائق العلمية، وتمكينهم من التعرف على الأماكن والتاريخ وأبطاله، وتنمية الخيال لديهم.[19]

– تقريب المفاهيم المجردة، وإبرازها في صورة حية مجسدة، بأسلوب يتناسب ومستوى إدراك الطفل واستيعابه للأمور.[20]

– تدريب حواس الطفل وتعليمه التفكير الإبداعي، حيث تعد القصة وسيلة طبيعية لتنمية التفكير والتعلم وذلك لما تتضمنه من عناصر مختلفة وكثيرة وعلاقات أشياء تنتظم في تتابع خاص للأحداث، مما يجعلها باعثا للتفكير، ولما تتطلبه من الفهم والتطبيق والتحليل.[21]

تقويم سلوكات الطفل بإكسابه سلوكات معينة تظهرها أو تضمرها القصة تتسرب إلى نفسه دونما حاجة إلى إجباره على حفظ ملخصات ضخمة لحِكم أخلاقية معينة.[22]

– التدرب على حسن الإصغاء والملاحظة والبحث والاكتشاف.

– تنمية الثروة اللغوية للطفل، ذلك أن القصص قد تشتمل على بعض المصطلحات الجديدة التي لم يسبق للطفل أن سمع بها.

 – إثراء خيال الطفل، وقدرته على الابتكار[23]

– تحقيق الإمتاع والتسلية، وتكوين الضمير، وتنمية الخيال والقدرة على الابتكار، وإكسابه القدرة على التواصل الناجح حديثا وكتابة.[24]

الاستخدام النبوي للقصص

إن مما يؤكد أهمية القصة في تربية النفوس وتهذيب السلوك توظيف القرآن الكريم والسنة النبوية لها  توظيفا واسعا، فقد شغلت القصة في القرآن الكريم ما يقارب الربع.[25] كما أن السنة النبوية مليئة بالقصص التي رواها الرسول صلى الله عليه وسلم لدرجة أن بعض الباحثين أفردوا مؤلفات مستقلة في القصص النبوي.

وقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم القصة في التربية، وفي عرض نماذج من السلوك المنحرف والسلوك السوي، وفي تثبيت أصحابه، ومن ذلك ما روي عن خباب: “شكونا إلى سول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا. فقال: “لقد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويمشط بأمشاط من الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون”[26]

فقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كثيراً ما يقص على أصحابه قصص السابقين للعظة والاعتبار وكان ما يحكيه مقدَّماً بقوله: “كان فيمن قبلكم” ثم يقص صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على مسامعهم القصة وما انتهت إليه. وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتمثل منهجاً ربانياً (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)[27]
وتلك القصص كانت قصصاً تتميز بالواقعية والصدق، لأنها تهدف إلى تربية النفوس وتهذيبها، وليس لمجرد التسلية والإمتاع حيث كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يأخذون من كل قصة العظة والعبرة، كما يخرجون منها بدرس تربوي سلوكي مستفاد ينفعه وينفع من بعدهم في الدارين: في دار الدنيا والآخرة.[28]
ومن أهم مميزات القصص النبوي نجد بساطة الأسلوب وتفصيله ووضوحه، مما يجعله مناسبا للأطفال والكبار، سهل الفهم قريب المنال مبسطا. وتكرار بعض العبارات والألفاظ للإلحاح على الغرض من الحديث أو القصة. إضافة إلى طرافة الموضوع وجاذبيته للنفوس، وأخذه بمجامع القلوب.[29]

وقد حفظت لنا السنة النبوية العديد من المواقف التي يحكي فيها النبي صلى الله عليه وسلم قصة من القصص، فمن ذلك: قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، وقصة الذي قتل مائة نفس، وقصة الأعمى والأبرص والأقرع، وقصة أصحاب الأخدود وغيرها كثير. وقد وظفت منها الشيء الكثير في القسم التطبيقي من هذا البحث.

 الإجراءات الديداكتيكية لتوظيف القصة في العملية التربوية

لا يكفي توفر الأستاذ على القصة التربوية المناسبة، حتى نقول إنه يستطيع التأثير من خلالها على الفئة المستهدفة، وبلوغ بعض الأهداف التي سطرها خلال الدرس، فالقصة رغم أهميتها التربوية الهائلة، وأثرها البارز تبقى عاجزة عن بلوغ أهدافها في غياب مهارة عرضها وتوظيفها في اللحظة المناسبة، والموقف الملائم.

ومن ثم وجب على الأستاذ الذي يرغب في توظيف القصة في دروسه أن يراعي مجموعة من الضوابط والإجراءات التي تكفل له نجاح هذا التوظيف وتحقيق بعض ثماره. وهذه بعض تلك الإجراءات:

أولا: اختيار القصة المناسبة للدرس وأهدافه وللفئة المستهدفة

يعتبر اختيار القصة عاملا مهما من العوامل التي يتوقف عليها نجاح رواية القصة، ويجب مراعاة مجموعة من الضوابط عند اختيار القصة منها:

  • أن تكون القصة ذات موضوع واحد محدد وواضح.
  • أن تكون قابلة للتمثيل والتعبير عنها أثناء روايتها.
  • أن تكون سهلة الأسلوب ومناسبة للفئة المستهدفة.
  • أن تتوفر على عناصر الإثارة والتشويق.
  • أن تكون شخصيات القصة قابلة للتصديق، أو أنها تعبر عن معاني معينة مثل الخير، أو الشر أو الجمال.[30]

وإضافة إلى ما سبق يجب على أستاذ مادة التربية الإسلامية بالسلك الثانوي الإعدادي أن يراعي أثناء انتقاءه للقصة عنصرين أساسين: أولهما التعلمات المتضمنة في دروس مادة التربية الإسلامية، وهي تعلمات غنية ومتنوعة تكاد تشمل كافة مناحي الحياة الإنسانية، وأهدافها المتمثلة – حسب البرامج والتوجيهات التربوية الخاصة بمادة التربية الإسلامية بالسلك الثانوي الإعدادي – في ترسيخ مفاهيم العقيدة الإسلامية و تمثل الأخلاق والآداب الإسلامية، والتشبع بقيم الحضارة المغربية وحب الوطن وخدمته.[31] ومن ثم يجب أن تكون القصة الموظفة خادمة لهذه التعلمات والأهداف، ومعززة لها. وثانيهما الفئة المستهدفة، وهي فئة المراهقين، بما تتميز به من خصائص نمائية في مختلف المستويات.

ثانيا: تحديد الأهداف المنشودة من وراء القصة

وهذا إجراء مهم لتحديد مسارها، وتنظيم أعمالها وأنشطتها، ووسائلها المعينة على تحقيقها.[32] ومعلوم أن الأهداف المنشودة من وراء القصة المستخدمة في دروس التربية الإسلامية لن تكون إلا خادمة لأهداف المادة ككل كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وقد يوظف أستاذ التربية الإسلامية القصة لأهداف معرفية، ومثال ذلك في مرحلة توثيق النصوص، عندما يتطرق الأستاذ إلى تعريف علم من الأعلام الذين رووا الحديث أو خرجوه، بإمكانه إيراد قصة لذلك العلم لتعزيز معرفة التلاميذ به. وقد يوظفها لأهداف سلوكية، كأن يأتي بقصة في عاقبة عدم غض البصر أثناء تطرقه لموضوع الاستعمالات غير المشروعة للبصر في درس حفظ حاسة البصر، ويكون غرضه منها تعزيز هذا السلوك. وقد يوظفها لأهداف لغوية، كان يأتي بقصة مليئة بالمصطلحات الجديدة على التلاميذ، أو التي تنتمي لحقل معين، ويكون غرضه منها تزويد الرصيد اللغوي للتلاميذ بمجموعة من المصطلحات الجديدة. وقد يوظفها لأهداف متعددة.

ثالثا: قراءة القصة قراءة جيدة

وذلك لتحليلها واستخراج ما بها من قيم وعادات وسلوكيات تريد من الفئة المستهدفة الاتصاف بها، وشخصيات تريد منهم محاكاتها، إضافة إلى استخراج المفردات والأساليب اللغوية التي ترغب في التركيز عليها لتحقيق الأهداف اللغوية التي تنشدها.[33]

رابعا: التدرب على إلقاء القصة

وذلك لتجنب الأخطاء أثناء القص داخل القسم، ويجب التركيز هنا على الحركات ونبرات الصوت، والانفعالات، وجانب التشويق في الإلقاء.[34]

خامسا: التمهيد لعرض القصة

والتمهيد خطوة أولية مهمة تسبق عرض القصة، تهدف إلى جذب انتباه التلاميذ نحو القصة، وتهيئتهم نفسيا وذهنيا لتقبل القصة، وضمان استماعهم لها بتركيز .[35]

وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعمل طرقا عدة لإثارة انتباه السامع وجذبه نحو القضية أو الموضوع المطروح، منها أسلوب السؤال، وأسلوب التكرار، و تغيير الوضع كالنهوض من الجلوس أو الاتكاء إلى الجلوس.[36]

 ومن الطرق والأساليب المقترحة على أستاذ التربية الإسلامية عند التمهيد للقصة:

– الصمت وسكون الحركة فجأة لفترة يسيرة، مع تغيير قسمات الوجه، ثم الشروع في سرد القصة.

– تنبيه التلاميذ إلى أن القصة موجهة لهم، وأنهم سوف يستفيدون منها في حياتهم الواقعية، فيمهد مثلا بجملة: “هذه القصة التي سأروي الآن قد تنطبق على كثير منكم في الواقع” أو “قد يصادفها كثير منكم في حياته مستقبلا”

– طلب قراءة القصة إذا كانت مكتوبة من أحد التلاميذ الذين يجيدون القراءة، مما يثير دافعية باقي التلاميذ نحو القصة، وقد يطلب منهم تمثيلها إذا كانت أحداثها بسيطة، أو أعد لها إعدادا قبليا.

– توجيه أسئلة تحمل طابع التشويق للتلاميذ من قبيل: من منكم يريد أن يرجع ألف سنة إلى الوراء؟ من يرغب في أن يعيش لحظات مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ من يريد أن ينتقل معي إلى مصر أو العراق؟

سادسا: عرض القصة

وهي خطوة تلي التمهيد مباشرة، وتعتمد على عدة وسائل وتقنيات؛ إذ يمكن عرض القصة بواسطة المسلاط العاكس، سواء مكتوبة أو ممثلة، وفي هذه الحالة نضمن متابعة التلاميذ لأحداث القصة بنسبة كبيرة نظرا لأهمية وسيلة المسلاط العاكس في جذب انتباه التلاميذ. كما يمكن قراءة القصة شفويا من قبل الأستاذ، شريطة الأداء الجيد لها،  وفي هذه الحالة لا بد من مراعاة عدة أمور منها:

  • رفع الصوت حتى يسمع كافة التلاميذ.
  • استخدام حركات اليدين، وتعابير الوجه. وتغيير نبرات الصوت بما يتناسب ومضمون القصة.
  • التفاعل مع أحداث القصة فرحا وحزنا، والحفاظ على عنصر التشويق.
  • تغيير الأسلوب، أو القفز على بعض التفاصيل، أو طرح الأسئلة عند الشعور بملل التلاميذ
  • مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ، وذلك بتنويع أسلوب السرد، وتبسيط المفردات، وتكرار بعضها الآخر حتى يتسنى للجميع الإفادة من القصة.[37]

كما يمكن للأستاذ في هذه الخطوة (عرض القصة) أن يترك الفرصة للتلاميذ ليفترضوا نهاية للقصة، ذلك أن الأسئلة الافتراضية تعتبر من أنسب الأسئلة وأكثرها إفادة للتلاميذ في هذه المرحلة العمرية، فيقول لهم مثلا: من يستطيع أن يكمل لنا القصة؟ ماذا تتوقعون أن يحدث في النهاية؟

سابعا: مناقشة وتحليل القصة

يكون الهدف من هذه المرحلة هو التعرف على مدى استيعاب وفهم التلاميذ لما عرض عليهم، إضافة إلى إشراكهم في العملية التربية، ذلك أن القصة جعلت منهم متلقين فقط. وتتضمن المناقشة أحداث القصة، وشخصياتها، ومكانها وزمانها، والقيم والفضائل التي وردت فيها، والمصطلحات والأساليب اللغوية الجديدة ومعانيها وغير ذلك. ويتم ذلك عبر طرح أسئلة متعلقة بمختلف عناصر القصة، ومن ذلك مثلا:

  • من يعطينا عنوانا لهذه القصة؟
  • ماهي شخصيات القصة؟
  • ماذا حصل لعمروا؟ كيف تصرف زيد؟
  • ماذا لو حصلت تلك القصة في زماننا هذا؟ ماذا كان سيقع؟
  • تصوروا لو أن زيدا معنا الآن، ماذا كان سيفعل؟
  • من يستطيع أن يعيد لنا القصة أو جزء منها بأسلوبه الخاص؟

كما يجب أن تشمل المناقشة ربط القصة بواقع الفئة المستهدفة، وصور الحياة المختلفة التي يمكن أن يشاهدوها حولهم.[38]

خاتمة:

لا شك أن أساليب وطرق التدريس يعد من أخصب مواضيع علوم التربية وأكثرها تجددا عبر العصور. وقد تعددت أساليب وطرق التدريس الحديثة بفضل الدراسات والأبحاث العلمية في مجال علم النفس التربوي، حيث صرنا نسمع بأسلوب التربية باللعب، وبيداغوجيا الخطأ، وطريقة حل المشكلات، والعصف الذهني، وأسلوب القصة. وهذا ما يفرض على المختصين في المجال، والمتدخلين في شؤونه وخاصة الأساتذة، مزيدا من البحث والاستقصاء في هذه الأساليب والطرق بغية معرفة ما يناسب مادة تخصصهم، والفئة المستهدفة في تلك المادة، وما يساعد على تحقيق أهدافها.

[1]  أساليب تدريس التربية الإسلامية، شريف حماد، مجلة الجامعة الإسلامية (سلسلة الدراسات الإنسانية) العدد الثاني، يونيو 2004. ص504

[2]  الأساليب التربوية النبوية المتبعة في التوجيه وتعديل السلوك، حماد الصعيدي، بحث لنيل درجة الماجستير في التربية الإسلامية والمقارنة، 2009، جامعة أم القرى، كلية التربية، ص137

[3]  البرامج والتوجيهات التربوية الخاصة بمادة التربية الإسلامية بالسلك الثانوي الإعدادي، وزارة التربية الوطنية، مديرية المناهج والحياة المدرسية، غشت 2009، ص12

[4]  التعليم بالقصة أو الحكاية التربوية، دورها التعليمي التعلمي، عبد المجيد التجدادي، جريدة المحجة المغربية، العدد 272

[5]  استراتيجيات التعليم والتعلم الحديثة وصناعة العقل العربي، حسن شحاتة، الدار المصرية اللبنانية القاهرة، ط3، 2012، ص95

[6]  فاعلية استخدام قصص الأطفال كمصدر للتعبير الفني في تنمية مهارات التفكير الإبداعي لدى طفل ما قبل المدرسة، بحث لنيل درجة الماجستير في طرق التدريس، 2008، العنود أبو الشامات، جامعة أمن القرى، كلية التربية، ص22

[7]  http://www.abegs.org/Aportal/Post/Show?id=19778&forumid=23

[8]  التربية في صدر الإسلام خلال المرحلتين المكية والمدنية، زياد علي الجرجاوي، ط4، 2008، ص81

[9]  أثر تدريس مادة التربية الفنية باستخدام القصة للصف الثامن في تنمية التفكير الإبداعي والخيال العلمي بدولة الكويت، سالم الصليلي، بحث لنيل درجة الماجستير في المناهج وطرق التدريس، كلية العلوم التربوية، جامعة الشرق الأوسط، 2012، ص18

[10]  التربية بالقصة في الإسلام وتطبيقاتها. هناء الجفري، جامعة أم القرى، كلية التربية، 1428، ص 16

[11]  القصص في السنة النبوية، دروس وعبر، علي الشحود، ط 2012، ص5

[12]  نفسه، ص5

[13]  وهو هدف يتناسب والأهداف التربوية للنظام التربوي المغربي. جاء في الكتاب الأبيض أنه من بين مواصفات المتعلم في نهاية السلك الإعدادي هو أن يكون مكتسبا للقدر الكافي من مفاهيم العقيدة الإسلامية، حسب ما يلائم مستواه العمري، ومتحليا بالأخلاق والآداب الإسلامية في حياته اليومية: الكتاب الأبيض، وزارة التربية الوطنية، لجان مراجعة المناهج التربوية المغربية، يونيو 2002، ج1، ص25

[14]  التربية بالقصة في الإسلام وتطبيقاتها، ص60

[15]  الكتاب الأبيض، ج1، ص24

[16]  فاعلية برنامج إرشادي قائم على فن القصة لخفض السلوك العدواني لدى المعاقين عقليا القابلين للتعلم ، ص63

[17]  التربية بالقصة في الإسلام وتطبيقاتها، ص61

[18]  سيمياء القص للأطفال بالجزائر، يحيى عبد السلام، رسالة دكتوراه، جامعة فرحات عباس سطيف الجزائر، 2011، ص22

[19]  سيمياء القص للأطفال بالجزائر، ص24

[20]  التربية بالقصة في الإسلام وتطبيقاتها. ص31

[21]  فاعلية استخدام قصص الأطفال كمصدر للتعبير الفني، ص23

[22]  التعليم بالقصة أو الحكاية التربوية، جريدة المحجة المغربية، العدد 272

[23]  فاعلية استخدام قصص الأطفال كمصدر للتعبير الفني، ص38

[24]  استراتيجيات التعليم والتعلم الحديثة وصناعة العقل العربي، ص96

[25]  أثر استخدام السرد التحليلي للقصة القرآنية على تنمية التفكير الاستنتاجي، صالح أبو شمالة، الجامعة الإسلامية غزة، 2010، ص20

[26]  القصص في السنة النبوية، دروس وعبر، ص6، والحديث أخرجه البخاري

[27]  الأعراف 176

[28]  http://www.saaid.net/tarbiah/116.htm

[29]  أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع، عبد الرحمن النحلاوي، دار الفكر دمشق، ط2، 1983، ص243

[30]  فاعلية استخدام قصص الأطفال كمصدر للتعبير الفني في تنمية مهارة التفكير الإبداعي لدى طفل ما قبل المدرسة، ص52

[31]  البرامج والتوجيهات التربوية الخاصة بمادة التربية الإسلامية بالسلك الثانوي الإعدادي، ص9

[32]  التربية بالقصة في الإسلام وتطبيقاتها، ص99

[33]  التربية بالقصة في الإسلام وتطبيقاتها، ص99

[34]  نفسه، ص100

[35]  فاعلية استخدام قصص الأطفال كمصدر للتعبير الفني في تنمية مهارة التفكير الإبداعي لدى طفل ما قبل المدرسة، ص56

[36]  عن عبد الرحمن ابن أبي بكرة عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر كررها ثلاثا؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس وكان متكئا، ألا وقول الزور” أخرجه البخاري

[37]  التربية بالقصة في الإسلام وتطبيقاتها، ص109

[38]  نفسه111

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

يوسف الشاطر: أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي. مادة التربية الإسلامية

حاصل على الماستر في مقارنة الأديان من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس

    البريد الإلكتروني: prf.chater@gmail.com

رقم الهاتف: 0674746841

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق