الفضاء الإخباريمقالات

إصلاح مناهج التربية الإسلامية: ملاحظات وتخوفات

 الكاتب /احمد بوعبدلاوي

شهدت المملكة المغربية نقاشا تربويا وسياسيا حادا في الآونة الأخيرة بعد أن أقدمت وزارة التربية الوطنية ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على تدشين إصلاحات وتعديلات على مناهج التربية الدينية بتكليف من ملك البلاد، عقب اجتماع وزاري ترأسه الملك في مدينة العيون، حيث قدمت أمامه “الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي 2015-2030″.

وقد اصدر الملك تعليماته لكل من وزيري التربية الوطنية والأوقاف والشؤون الإسلامية، “بضرورة مراجعة مناهج وبرامج مقررات تدريس التربية الدينية، سواء في المدرسة العمومية أو التعليم الخاص، أو في مؤسسات التعليم العتيق”. كما رود في بيان عن الملك.

وأوضح البيان أن المراجعة ستتم “في اتجاه إعطاء أهمية أكبر للتربية على القيم الإسلامية السمحة، وفي صلبها المذهب السني المالكي الداعي إلى الوسطية والاعتدال، وإلى التسامح والتعايش مع مختلف الثقافات والحضارات الانسانية”.

وأضاف المصدر نفسه أن الملك “شدد على أن ترتكز هذه البرامج والمناهج التعليمية على القيم الأصيلة للشعب المغربي، وعلى عاداته وتقاليده العريقة، القائمة على التشبث بمقومات الهوية الوطنية الموحدة، الغنية بتعدد مكوناتها، وعلى التفاعل الإيجابي والانفتاح على مجتمع المعرفة وعلى مستجدات العصر”.

ومنذ صدور الدعوة الملكية شكلت لجن سرية للمراجعة بكل من وزارة الأوقاف والتربية الوطنية لم يعرف المهتمون بالشأن التربوي لهم اسما و لا صفة أسفرت عن مجموعة من التعديلات والتغيرات التي انصبت بالخصوص على منهاج التربية الإسلامية بالتعليم المدرسي سربت بعض ملامحها الأولية على شبكات التواصل الاجتماعي.

وقد سجل المتتبعون لهذا الحدث جملة من الملاحظات والتخوفات نجملها في يلي:

اتفق أغلب المتتبعين على أهمية المراجعة والتعديل والتطوير لمناهج التربية والتكوين عموما وللتربية الإسلامية خصوصا بما يتناسب مع حاجات المتعلم والمجتمع وأولويات الدولة وهذا أمر لم يختلف عليه أحد.

تم التأكيد على براءة مادة التربية الإسلامية مما ينسب لها ولأطرها من تهم التشجيع على الإرهاب والتطرف حسب ما يصدر من بعض من لم يعرفوها ولم يخبروها مستعملين في ذلك منهج التعميم والإسقاط وتحريم الكلم عن مواضعه، بل على العكس من ذلك لا يمكن لعاقل ومنصف أن ينكر أهمية المادة في تلبية بعض حاجات المتعلم الطبيعية ، فإن لم يجد من يلبيها بشكل واضح فإنه سوف يبحث عنها في مصادر أخرى لا يعلم الله نتائجها على المجتمع، ولذلك فلا خلاف بين عقلاء البلد على أهمية مادة التربية الإسلامية وضرورة الحفاظ عليها والتمكين لها.

رغم الاتفاق على أهميتها فقد سجل أغلب المراقبين أهمية إخضاع مناهج “التربية الدينية” للمراجعة والتعديل من أجل بنائها بناء منسجما ومتكاملا ومتصلا تجمعه رؤية واحدة ناظمة من التعليم الابتدائي إلى الثانوي ومنه إلى التعليم العالي تتجاوز التكرار والانفصال الموجود في بعض المقررات الدراسية الحالية.

تفاءل المتفائلون بفكرة المراجعة لعلها تكون فرصة للإعادة الاعتبار للتربية الإسلامية بمفهومها الخاص والعام؛ وذلك بالزيادة في حصص المادة والرفع من معاملاتها وإدراج أطرها في هيئة التبريز وادراجها في الامتحانات الإشهادية وغيرها من مطالب أساتذة المادة في تقارير المجالس التعليمية، وعلى لسان الجمعية المغربية للأساتذة التربية الإسلامية في ملفاتها المطلبية للوزارة .

استبشر البعض خيرا بعد الدعوة الملكية بأن المراجعة ستشمل المضامين الدينية المنتشرة في جميع المقررات التعليمية في كل المواد والمستويات التعليمية بما يتوافق مع تعاليم الإسلام السمحة والتي يوجد ببعضها مفاهيم ونظريات مناقضة لتعاليم الإسلام مما يخلق لدي المتعلم تناقضا واضطرابا عندما يجد ما يتعلمه في بعض هذه المواد يتعارض مع يدرسه في مادة التربية الإسلامية أو في يسمعه في المسجد أو ما يسمعه في إذاعة محمد السادس والقناة السادسة. وهذا هو التفسير الأسلم لمصطلح التربية الدينية الذي استعمله الخطاب الملكي.

من الأمور المثيرة للشك والريبة في هذا الإصلاح أنه يتم بسرية تامة بحيث لم يعرف إلى الآن كيف تشكلت هذه اللجان ومن شكلها ومن هم أعضاؤها ومن يشرف عليها وما علاقتها بالمجلس الأعلى للتعليم أو بوزارة التربية الوطنية أو بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؟ وما موقع مفتشي المادة وأطرها في هذا الإصلاح وجمعية أساتذة المادة؟ ما علاقة ما يحدث الآن بما أوصى به المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، في الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 بمراجعة المناهج والكتب المدرسية وتفعيل اللجنة الدائمة للتجديد والملاءمة المستمرين للمناهج والبرامج التي نص عليها الميثاق؟

بمعنى آخر من يدبر هذا الملف الحيوي هل وزارة الأوقاف أم وزارة التربية الوطنية أم أطراف أخرى غير ظاهرة ولماذا كل هذا التكتم في ظل دستور 2011 حيث الحق في المعلومة ملك للجميع؟

كل هذا لا يتنافى مع أهمية أن تشتغل اللجان المختصة بأريحية وفي أجواء علمية بعيدا عن التأثيرات الإعلامية التي قد تعيق عملها وتؤثر على جودة منتوجها.

مما يلاحظ على هذه الخطوة درجة الاستعجال التي تعمل بها هذه اللجن والتي يراد منها انتاج المناهج وإخراج البرامج والتوجيهات ومراجعة وتأليف الكتب لجميع مراحل التعليم من الابتدائي إلى التأهيلي في وقت قياسي بحيث يبدأ العمل بها كلها دفعة واحدة مطلع العام الدراسي المقبل، بعيدا عن معايير الجودة التي تتطلب الوقت الكافي للتشخيص ثم الانتاج ثم المراجعة ثم الطبع ثم التوزيع، وكذا بحاجة لوقت لتجريب هذه البرامج الجديدة وتكوين المشرفين التربويين والأساتذة الذين سيتولون تنزيلها على أرض الواقع تأطيرا وتدريسا.

فقد كان الأولى أن يمنح لها الوقت الكافي من أجل عمل جيد ومتقن لآن في العجلة الندامة وفي التأني السلامة، على أنه يجب الاعتراف بأن هناك تقدما كبيرا في هذا المجال مقارنة مع اللجان السابقة.

لكن اكثر ما أثار استغراب المتتبعين هو ما أقدمت عليه الوزارة من محاولة تغيير لأسم مادة التربية الإسلامية واستبدالها عن باسم “التربية الدينية” حسب ما تسرب من وثائق التوجيهات والبرامج الجديدة بسلكي الابتدائي والإعدادي دون احترام للمساطر القانونية في تعسف كبير على الخطاب الملكي الذي استعمل مصطلح التربية الدينية في خطابه وكان واضحا وجليا أنه يقصد المضمون الديني بكل فروع التعليم المغربي سواء في المواد العلمية أو الأدبية أو التقنية أو في التعليم العتيق والتعليم الأصيل وكذا مادة التربية الإسلامية، إلا إذا كان هناك قصد لتحين هذه الفرصة للانقضاض على المادة بشكل تدريجي بعد الدعوات الصادرة هنا وهناك والتي تتهم المادة وأطرها بالمسؤولية عن نشر التطرف والارهاب بالمجتمع بدون حجة أو برهان. ثم تساءل الكثيرون ما هي المبررات التي دعت إلى تغيير الاسم، وإن كانت له مبررات معقولة ومنطقية فلماذا لا تعلن و تعرف عند العام والخاص؟ هل هو مجرد تماهي مع المصطلح الوارد في الخطاب الملكي؟ أم هو استبطان لشيء آخر كما صرح مسؤول بالوزارة بأن توسيع المفهوم القصد منه ادخال التربية الدينية لاتباع الشرائع السماوية الموجودون بالمغرب، بمعنى أن أستاذ التربية الإسلامية كما سخر بعض رواد الفايسبوك مطالب بتعليم اليهودي والمسيحي تعاليم التوارة والانجيل كما يدرسه القرآن والسنة.

هذا الأمر آثار استياء وسخط المراقبين وقادوا حملة واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تطالب بالتوقف عن تغيير اسم المادة لأنه لا مبرر له في نظرهم سبقتها مراسلة لجمعية أساتذة التربية الإسلامية لكل من وزير التربية الوطنية ورئيس الحكومة.

ويظهر أن هذه التحركات أثمرت التأكيد الحكومي على بقاء اسم المادة كما هو دون تغيير حسب تصرح الناطق الرسمي باسم الحكومة.

وختام القول أنه لا عيب في الإصلاح والتعديل لأنهما من سنن الله في الكون شرط أن يكون برؤية شمولية، متوافقا مع ثوابت البلاد، محترما للدستور، وأن ينجز من أهل الاختصاص بطريقة تشاركية وفي وقت كاف، وبمنهجية علمية بعيدا عن اقصاء أهل الدار.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق