الفضاء الإخباريمقالات

جائحة وباء كورونا والمسؤولية المشتركة: نحو إعادة ترتيب الأدوار المجتمعية

ذ. سعيد لعريض
في ظل الابتلاءات يُحدِث النَّاسُ لأقضيتِهم المستجدة أوعية تُفَرَّغُ فيها حقيقة منسوب الوعي الذين يحملونه عنها؛ ومن هذه المستجدات: قضية انتشار وباء كورونا، التي يختلف التعامل معها بين مجتمع وآخر، حسب درجة الوعي والاستيعاب لخطورته وآثاره على الفرد كإنسان قبل الدولة كمؤسسة اقصادية أو كيان سياسي. فبقدر حصول الوعي الحقيقي بخطورة هذه الجائحة البيولوجية، يحصل الوعي بأهمية سبل الحماية به.
وتتشكل أوعية الوعي انطلاقا من الأسرة كخلية ونواة لتشكيل عقلية أفرادها، فهي محضن التربية التوعوية بكل القضايا الحياتية ابتداء وانتهاء، وهذا ما لم يحصل عند كثير من الأسر التي تستهين بهذا الفيروس الذي فرض عزلة عالمية. تليها في الدرجة الثانية مؤسسة المدرسة والجامعات بما تحمل من مناهج تعليمية تعكس سياسة الدولة وتوجهاتها، وفلسفتها التربوية والسياسية، دون أن ننسى بقية المجالات الأخرى التي يتشكل فيها الوعي كالإعلام ومؤسسات الدولة الموازية التي يصنع فيها القرار السياسي والتربوي والديني.
إن عدم اهتمام الدول بهذه الأوعية التي يتشكل فيها الوعي، يعكس شيئين لا ثالث لهما:
-الاول: أنها تريد لهذا الوعي أن يكون وعيا مزيفا، لتمرير خطط الإلهاء وثقافة العبث، وقتل دور الأسرة في التربية على القيم الصحيحة، وتقزيم دور المعلم والعالم والطبيب والجندي في أعين المجتمع…، وإبراز دور الفنان التافه و”الشيخة” التي تحمل أسماء الآلات والكوارث الطبيعية، والبرامج التلفزية الهابطة، فضلا عن مخذر كرة القدم التي فيها لاعبها هو القدوة والتآسي لأبنائنا…كل ذلك ليتسنى لأصحاب القرار فرض سيطرتهم اقتصاديا وسياسيا.
-الثاني: عدم امتلاكها لرؤية متكاملة على المستوى التربية والتعليم والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وهي في ذلك تابعة لسياسات دولية تفرض أجندتها الاقتصادية والمجتمعية، الغرض الإبقاء أولا على التبعية لها، وثانيا تضمن لأصحاب القرار استمرار نهب ثروات البلاد، ومص دماء العباد.
إن جائحة كورونا عرَّت واقع مريرا، وبركانا نائما، لا ندري من ستصيب لظاه وشذراته إذا ما قدر الله استيقاضه.
إن إعادة بناء العقلية وتشكيلها بات ضروريا، بما يوافق المسؤولية الملقاة على عاتق كل واحد يرى الخلاص من الإذلال والقهر والتبعية، والظلم والتجويع ونهب خيرات البلاد والعباد، بإشاعة الوعي بدوره في الحياة: هو عمارة الأرض بما يوافق السنن الربَّاتية، لتحقيق مهمة الاستخلاف التي من أجلها خُلِق (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) هود 61، وذلك من أجل تحقيق كامل العبودية لله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ). الذاريات/56
إن المسؤولية المستركة تتمثل في أن نعِي أنه الآوان أن تعيد الدولة ترتيب أدوار الفاعلين الحقيقين في المتمع، والتي أبانت عنها جائحة كورونا: فتعلي من شأن العالم الربَّاي/العامل والمُغيَّب عن أدواره الدينية في المجتمع، ومن رجل التربية والتعليم الذي أبان عن روح وطنية عالية في هذه الظرفية الدقيقة، بأن ترفع مكانته الاجتماعية وترُدّ له قيمته الاعتبارية التي أُريد لها أن تتشوَّه، لأنه سبيل للتحرُّر العقلي والتوعية بقضايا الأمة. كما تعطى للطبيب والممرض أمنه النفسي والاجتماعي: ببناء المستشفيات ليمارس وظيفته الإنسانية، ويزوال مهامه الاجتماعية عندما يتخرج من الجامعات الطبية. كما يٌبرز دور الجندي على الحدود والذي يعيش ظروفا انسانية قاسية قلّما يُلتفت لها، فهو حامي الحدود والمدافع عن الوطن. هذا فضلا من رفع من قيمة عامل النظافة والشرطي وعون السلطة…الذين يعرضون حياتهم للخطر في هذه الجائحة الكورونية.
فهل سيقوم كل فرد بدوره في التوعية بالمسؤولية الملقاة على عاتقه لتصبح في الآخير مسؤولية مشتركة على ما نعيشه من أوضاع مزرية؟
هل ستعيد الدولة والحكومة إعادة ترتيب الأدوار المجتمعية؟
أم أنه عندما يرفع الله هذا الوباء ويرفع البلاء-وهذا دعاؤنا صباح مساء-ستعود حليمة إلى عادتها القديمة؟
نسأل الله أن يرفع عنا البلاء ويدفع البلاء ويحفظ سائر بلاد المسلمين من البرص والجنون والجذام وسيء الأسقام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق