الفضاء الإخباريمع الباحثينمقالات

الخطاب الاسلامي في مجال حقوق الانسان ومطالب التجديد

ذ. محمد بلفضيل
نيابة عن اعضا الجمعية المغربية لاساتذة التربية الاسلامية فرع الرحامنة اتقدم بجزيل الشكر لجمعية اتحاد اصدقاء الفلسفة على دعوتهم الكريمة للمشاركة في هذه الندوة القيمة وفي هذا الموضوع الحساس والخطير والذي يكتسي اهمية بالغة بالنظر لراهنيته واستيلائه على الاهتمام في الساحة الحقوقية .
وانسجاما مع موضوع الندوة التي اختار المنظمون ان يكون تحت عنوان” حقوق الانسان في الفكر المغربي المعاصر: مسار ومصائر” فانني اخترت ان يكون عنوان مداخلتي:” الخطاب الاسلامي في مجال حقوق الانسان ومطالب التجديد”، واختياري لهذا الموضوع يبرره مايلي:
– انه عند الحديث عن مسار حقوق الانسان وخاصة في العالم العربي لابد وان نستحضر اثر الخطاب الاسلامي الذي كان له دور في سيرورة تشكل منظومة حقوق الانسان بالصورة التي هي عليها اليوم، وعلى هذا فاي نقاش يغفل هذا الجانب سيكون نقاشا عقيما عديم الجدوى.
وربما استدعاء جمعية اساتذة التربية الاسلامية للمشاركة في هذا الندوة جاء وفق هذا المنظور.

– هناك جدل ونقاش حاد في الساحة الحقوقية بالمغرب ومطالب باعادة النظر في بعض البنود القانونية التي تعتبر من وجهة نظر بعض ” الحقوقيين” مصادمة لمنظومة حقوق الانسان الكونية التي ارساها الاعلان العالمي لحقوق الانسان والاعلانات والاتفاقيات التي جاءت بعده.
اقصد هنا الجدل الدائر حول الحقوق المرتبطة بمبادئ الحرية والمساواة، فكما هو علوم ان هذه الحقوق تمثل اهم مبادئ حقوق الانسان الذي اقرتها المواثيق الدولية في هذا المجال، لكن التشريعات القانونية في الدول العربية وخاصة المغرب كيفت هذه الحقوق بماينسجم مع خصوصيتها الثقافية والدينية الامر الذي اعتبره هؤلاء الحقوقيون مساس بحقوق الانسان وعلى هذا الاساس تعالت الاصوات منادية بضرورة اعادة النظر في هذه البنود القانونية حتى تنسجم مع طبيعة الحقوق كما هي معترف بها دوليا، فقد تمت المطالبة باعادة النظر في مجموعة من القضايا الحقوقية منها: التمييز بين الرجل والمراة في الارث، حق الاجهاض، الافطار العلني في رمضان ، العلاقات الجنسية خارج اطار الزواج مما يسمى بالحريات الفردية كالمثلية والخيانة الزوجية مما هو منصوص على تجريمه في القانون الجنائي في المواد 489/490/491، وغيرها من القضايا.
ولن اخوض في تفاصيل مناقشة هذه القضايا التي اثير حولها النقاش لان الحديث فيها حديث شائك وطويل جدا مما لايتناسب مع الوقت المخصص لهذه المداخلة المتواضعة، مما يجعلني مضطرا لمقاربة الموضوع بشكل عام دون الدخول في التفاصيل والجزئيات وعلى هذا فان مداخلتي ستكون وفق محورين اثنين:
المحور الاول: ساخصصه لابداء بعض الملاحظات المنهجية على المقاربة التي يتناول بها
” الحقوقيون” قضية حقوق الانسان في المغرب.
المحور الثاني: ساحاول من خلاله الاجابة عن السؤال المرتبط بامكانية التجديد في قضايا حقوق الانسان في الاسلام كما يطالب بذلك بعض الحقوقيين.
المحور الاول: ملاحظات منهجية
. في تقديري لابد من التدقيق في قضية المنهج لانها قضية جوهرية وحاسمة لان النتائج تختلف باختلاف المنهج لهذا قررت ان اخصص حيزا هاما في هذه المداخلة لمناقشة المنهجية التي يتم بها تناول موضوع حقوق الانسان في المغرب .
ومن خلال متابعتي للنقاش والجدال الدائر وما يثيره انصار حقوق الانسان من اشكالات في هذا الموضوع ابدي الملاحظات المنهجية التالية:
-ان المقاربة التي يعالج بها انصار “حقوق الانسان” هذا الموضوع هي مقاربة ايديولوجية اكثر منها مقاربة علمية، وهذه المقاربة سمتها الاساسية انها مهووسة بتصفية الحسابات الايديولجية، اما البعد الحقوقي والاصلاحي فانه ياتي في اخر الاهتمامات.
– هؤلاء الحقوقيون لما يتحدثوا عن منظومة حقوق الانسان يختزلونها فقط في الحريات الفردية، وكان المواطن المغربي قد نال جميع حقوقه بقي له فقط الحق في ممارسة الجنس خارج اطار الزواج وممارسة الخيانة الزوجية واللواط.
اين هي الحرية في التعبير؟ اين هي العدالة الاجتماعية؟ اين هي المساواة والعدالة امام القانون؟ اين هي حقوقهم في الصحة والتعليم؟ هل نال المغاربة هذه الحقوق؟ هل استوفوها كاملة دون نقصان؟
ثم هل المغاربة بالفعل مهضومة حرياتهم الفردية؟ الا يمارسون العلاقات الجنسية بالسر والعلانية بالليل والنهار دون حسيب ولا رقيب؟ يكفي ان ندلل على واقع الحريات الفردية بالاحصاءات الرسمية التي تثبت بانه في اليوم الواحد اكثر من 800 حالة اجهاض.

قد يطرح اشكال هنا وهو ان الدولة تستعمل تجريم القانون للعلاقات الجنسية خارج اطار الزواج لتصفية حساباتها مع خصومها الامر الذي يشكل تهديدا لحرية المواطن ووضعه تحت رحمة السلطة كما وقع لكثير من الصحافيين، ولكننا نجيب هنا بالقول انه ليس هناك مانع من ادخال التعديلات اللازمة من اجل التحديد والضبط مما يمنع من اي تعسف في استعمال القانون.
ففي الشريعة الاسلامية احيطت عقوبة الزنا بمجموعة من القيود والاحتياطات مما جعل امر ايقاع حد الزنا امرا صعبا جدا ان لم نقل مستحيلا، وهذا راجع الى ان فلسفة الاسلام في العقوبة المرتبطة بالحريات الفردية ليس هي العقوبة في حد ذاتها بل هو منع المجاهرة وافشاء الزنا بين الناس، اما ماعدا ذلك فقد ترك امر العبد بينه وبين خالقه ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم ” اذا ابتليتم فاستتروا” .
ولم يطبق الرسول صلى الله عليه وسلم حد الزنا الا على رجل واحد وامراة واحدة وهو ماعز الاسلمي والمراة الغامدية ولم يطبق عليهما الا بالحاح وطلب منهما بعد ماحاول الرسول صلى الله وسلم تفادي تنفيذ الحد عليهما.
.
-عندما يناقش هؤلاء الحقوقيون موضوع حقوق الانسان في المغرب، يغيب عنهم اعتبار الخصوصية الثقافية والدينية والاجتماعية للمغرب، نحن لسنا في فرنسنا الدولة العلمانية نحن في المغرب الذي ينص دستوره بشكل واضح وصريح على ان الدولة المغربية ذات مرجعية اسلامية والاسلام هو الدين الرسمي للبلاد والملك هو امير المؤمنين.
ان مشكلة هؤلاء انهم ينظرون الى حقوق الانسان بالصورة التي انتهت اليها في الغرب وكما تمت بلورتها في بنود الاعلان العالمي على انها حقوق مطلقة وعالمية مقدسة وغير قابلة اطلاقا للتاويل في حين ان هذه الحقوق جاءت اثر مسار تاريخي معين ذو خصوصية اجتماعية وتاريخية محددة وتؤطره فلسفات ذات ارتباط بسياق تاريخي محدد كذلك، المشكلة ان حقوق الانسان كما تضمنها الاعلان العالمي ينظر اليها على انها حقوق مطلقة صالحة لكل زمان ومكان في حين انها ليست كذلك.
ان الغرب انطلاقا من شعوره المتضخم بالانا يريد ان يفرض وصايته على باقي الشعوب يريد ان يفرض قيمه ومبادئه ويلغي كل خصوصية ثقافية او اجتماعية يريد ان يستعمر الشعوب الاخرى قيميا وثقافيا كما استعمرها عسكريا واقتصاديا.
نعم هناك قيم انسانية يتفق عليها الضمير الانساني بمختلف شعوبه واعراقه ودياناته وثقافته، لكن يجب ان نعترف ان هناك هامشا من الاختلاف في فهم هذه القيم وفي تطبيقها وتنزيلها على ارض الواقع تبعا للمتغيرات الجغرافية والثقافية والدينية والفلسفية، فمثلا في الغرب فلسفة حقوق الانسان قائمة على مبدا الفردانية التي تقدس حق الفرد وان كان على حساب الجماعة في حين ان الثقافة العربية الاسلامية تراعى الفرد والجماعة وان الفرد عليه ان يتنازل عن بعض حرياته لصالح الجماعة، لهذا حصل الاختلاف ولكل وجهة هو موليها، فمادام للغرب اختياراته الحقوقية التي بناها على فلسفته في الوجود والحياة فكذلك للشعوب الاخرى لها الحق في اخياراتها في مجال حقوق الانسان التي تبنتها وفق مرجعيتها الفلسفية او الدينية. لكن اصحابنا الحقوقيين يغيب عنهم كل هذا فقد اعماهم الانبهار بالغرب حتى حسبوا ان كل ماياتي منه مقدسا لاياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
-غياب المقاربة الشمولية في تناول موضوع حقوق الانسان وبخاصة المواضيع المرتبطة بالمراة والاسرة، فكما تعلمون هناك مطالب باعادة النظر في قضايا الارث وذلك لجعل المراة مساوية للرجل تاخذ مثل ماياخذ، واصحاب هذه المطالب يغيب عنهم ان اعطاء الاسلام للمراة نصف ماللرجل انما هو مبني على نظام متكامل فالرجل اذا اخذ ضعف مايعطى للمراة في الارث فهوفي المقابل مطالب باعطاء الصداق والانفاق على الزوجة والاولاد، بل اعباء الاسرة المالية كلها ملقاة على عاتقه فاذا اردتم المساواة في الارث فيجب اعادة النظر في هذه الامور كلها وهذا من شانه ان يحدث انقلابا جذريا في بناء الاسرة مما لايخدم مصلحة المراة نفسها.
-ان المطالبين باعادة النظر في بعض قضايا حقوق الانسان في المغرب لايمثلون الا انفسهم ولا يمثلون ابدا الشعب المغربي، ومن يستمع الى تصريحات المغاربة على مختلف وسائل الاعلام يدرك هذا جيدا .
المحور الثاني: امكانية التجديد في منظومة حقوق الانسان.
والان؟
و بعد ماابديت هذه الملاحظات المنهجية على المقاربة التي يتم بها تناول موضوع حقوق الانسان في المغرب انتقل الى المحور الثاني من المداخلة لاجيب عن سؤال مهم وهو: هل من الممكن التجديد في منظومة حقوق الانسان في الاسلام؟ هل هناك قابيلية لاعادة النظر في هذه الحقوق حتى تكون وفق مايطالب به الحقوقيون ؟
هذا السؤال يستمد شرعيته من ان من خصائص الاسلام المرونة والقابلية للتجديد وقدرته على مسايرة التحولات والتطورات في مختلف المجالات.
لكن السؤال هل كل احكام الاسلام قابلة للتجديد واعادة النظر فيها وخاصة في مجال حقوق الانسان؟

هنا يجب التمييز بين مستويين من الحقوق هناك حقوق قابلة للنقاش وهناك امكانية لاعادة النظر فيها بما يتوافق مع تحقيق المصلحة وبما ينسجم مع متطلبات العصر، وهذا مبني على اساس انها من الناحية الفقهية غير محسومة وحتى الفقهاء بينهم نقاش فيها، وهي على كل حال لاتمثل اي مشكلة لانها اصلا غير معمول بها في الواقع، اقصد هنا بعض القضايا المرتبطة بالحرية في المعتقد كعقوبة المرتد وتارك الصلاة وعقوبة الافطار العلني في رمضان،
والمستوى الثاني حقوق غير قابلة للنقاش ولايمكن باي حال من الاحوال ان يعاد فيها النظر.
لماذا؟
-ان طبيعة هذه الحقوق في الاسلام تتميز بالثبات والاطلاق، فهي تمثل جوهر الاسلام ومبادئه الثابتة واعادة النظر فيها وتغييرها او تبديلها فيها تقويض لبناء الاسلام وهدم لاركانه واتيان عليه من القواعد.
-لانها من ثوابت الدين وقطعياته فالنصوص الشرعية في هذا المجال واضحة وقطعية الدلالة ولاتقبل اي تاويل، فاعطاء المراة نصف ماللرجل في الارث وتحريم الزنا واللواط هذه امور ثبت تحريمها بصريح القران الكريم ومتواتر السنة النبوية.
-ان قضية الحريات الفردية والمطالبة باباحة العلاقات الجنسية خارج اطار الزواج تضرب في العمق احد السمات الاساسيبة المميزة للثقافة وللمجتمع المسلم فلكل مجتمع خصوصياته، فالمجتمع المسلم من سماته الاساسية العفة والحياء وهي قيم لايمكن الحديث عن مجتمع مسلم في غيابها.
في الغرب من الجائز ممارسة العلاقات الجنسية دون حدود ولا قيود الى درجة انه يجوز للرجل ان يتزوج بالرجل وذلك تحت مظلة وحماية القانون ، لكن في المجتمع المسلم لايمكن ان يقبل مثل هذا، وان اصبح من الجائز ممارسة الحريات بهذه فلم يعد مجتمعا مسلما.
قد يقال بان هذه الممارسات موجودة في الدول الاسلامية لكن هذا لايجيز التطبيع معها ومباركتها وشرعنتها بالقانون والا فانه من الممكن ان نشرعن السرقة والرشوة والفساد بدعوى انها موجودة على ارض الواقع.
-ان في اباحة وشرعنة العلاقات الجنسية خارج اطار الزواج تعريض المجتمع للخطر فاباحة العلاقات الجنسية بين الجنسين يؤدي الى انتشار اللقطاء وانتشار الاجهاض وانتشار الامراض المنقولة جنسيا وهذه كلها مصائب تعاني منها المجتمعات المتحررة وقانا الله منها.

وفي الختام انوه بان مقاربة المشاكل الحقوقية بالمغرب بشكل يمكًن من ان ايجاد يجد حلول واقعية لايتاتى الا بمقاربة علمية منضبطة توازن الموضوع من جميع جوانبه، مع مراعاة الاولويات بما يمس هموم المواطن المغربي ويلبي حاجياته الاساسية دون الدخول في مزايدات وحسابات سياسية وايديولجية.
اشكر لكم حسن متابعتكم واهتمامكم. وفي الختام
والسلام عليكم ورحمة الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق