الفضاء الإخباريثقافة شرعيةمقالات

معالم الإصلاح الفكري والتغيير السياسي بالمغرب خلال القرن 11هـ ” بين هاجس التأصيل وداعي التغيير” – الإمام اليوسي أنموذجا-

إعداد: الأستاذ عبد العزيز تكني

تقديم :

يعد فقه التغيير والإصلاح من المشاريع الفكرية التي برز فيها علماء الغرب الإسلامي الفحول، وتفتق فيه نظرهم الفذ، فكان لهم حظ وافر واعتناء شديد ونصيب بارز في تعميق النظر فيها تجديدا وإحياء، وقراءة ونقدا، وصيانة وحفظا، وهذا مما برز فيه فقيه المغرب الكبير الإمام اليوسي على أقرانه. فمن خلال تآلفيه ورسائله ونوازله واجتهاداته وأفكاره الإصلاحية، ندرك أن حركة الإصلاح الفكري والتغيير السياسي في التراث الإسلامي عامة والتراث المغربي خاصة من السعة والشمول ما يصلح لكل البشر، وأن فيها من التطور والمرونة ما يقوم بكل جيل وفي كل عصر”وندرك أنه مهما علم من فقه إمام في مسألة رأيا، فهناك آراء كثيرة غير الرأي الذي علمه، وبهذا تتجلى الميزة الكبرى للإمام اليوسي في ترك التعصب المجانف للعلم والعلماء لرأي بعينه أو لإمام مهما بلغت إمامته”)(، فإلى أي حد استطاع الإمام اليوسي أن يسهم في تأصيل وتجديد الفكر الإصلاحي والسياسي بالمغرب؟
2- معالم من سيرة شخصية أبي علي اليوسي رحمه الله:
إن الحديث عن فقه التغيير عند أبي علي اليوسي من خلال مشروعه الفكري ، ليس بالسهل اليسير، وذلك لعلو كعبه وعبقريتة ومشاركته في شتى العلوم، ولمكانته وتميزه بين أقرانه، “عالم المغرب ونادرته وصاعقته في سعة الملكة وفصاحة القلم واللسان مع الزعامة والإقدام والصدع بما يتراءى له وكثرة التصنيف على طريق بعد العهد بمثله، وهو الكلام المرسل الخالي عن النقل إلا ما لابد منه”() فكان رحمه الله قامة علمية نفيسة وأيقونة إصلاحية متفردة، وشخصية منظرة مؤصلة محققة، أعجوبة الدهر وناذرة العصر المعروف بصلاحه وإصلاحه، وجهاده واجتهاده منهجا وسلوكا “فهو آخر العلماء بل خاتمة الفحول من الرجال حتى كان بعض أشياخنا يقول :هو المجدد على رأس هذه المائة، لما اجتمع فيه من العلم والعمل بحيث صار إمام وقته وعابد زمانه”() ولذلك قال فيه الإمام أبو سالم العياشي :
من فاته الحسن البصري يصحبه فليصحب الحسن اليوسي يكفيه.
وقد استجاب الله دعوة شخيه محمد بن ناصر الدرعي رحمه الله فيه لما دعا قائلا:” اللهم اجعله عينا يستقي منها أهل المشرق وأهل المغرب”() فكان بحق حلقة وصل وواسطة عقد عظيمة بين سلفه وخلفه، كما أنه أعطي فكرا تركيبيا، وقريحة وذكاء، جعله ينفذ إلى عمق ما يدرس من المسائل المطروحة، ويجعلها مطية لذكائه وفطنته وعمله ويستوعبها استيعاب الفاحص الناقد المتمكن. ببعد أخلاقي عرفاني مقاصدي يقول عن نفسه رحمه الله في فهرسته:” وكانت قراءتي كلها فتحا ربانيا، ورزقت ولله الحمد قريحة وقادة، وفطنة ذكية، فكنت بأذني سماع، وأذني أخذ ينفعني الله”()
لقد عاصر أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي (1040ه-1102ه) فترة عصيبة وحاسمة من تاريخ المغرب، ولحظات رهيبة وأحداث اجتماعية خطيرة وانحرافات سلوكية، حيث الفوضى والفتنة والاضطهاد والخراب والضعف.. والتطاحن والتصارع على الرئاسة من قبل القوى المختلفة المتواجهة في الميدان، “ويمكن أن نحصر حياة الإمام اليوسي بصفة عامة في ثلاث فترات، أولا: الصبا والتكوين والتنقل لطلب العلم حتى أعوام الستين.ثانيا: الاستقرار بالزاوية الدلائية من أعوام الستين حتى تخريبها سنة 1079ه. ثالثا: ما بعد الزاوية الدلائية من 1079ه إلى 1102ه سنة وفاته.() ولعلها أهم فترة لفهم المشروع الفكري الإصلاحي للرجل، لأنها عرفت شدة الاضطراب من حياته وصنعت شخصيته.
كل هذا وغيره جعله محل أنظار وثقة الجميع، فلا تكاد تخلو تآليفه في الفقه المالكي، من ذكر نوازله وفتاواه وأجوبته السديدة، وشروحاته واختياراته الاجتهادية الفريدة، البعيدة كل البعد عن منهج التقليد والجمود، فظهر نجمه وعلا قدره في علم الشريعة والحقيقة ؛ تأصيلا وتصحيحا، واجتهادا وتجديدا، وفي علم التوحيد والكلام تحريرا وتحقيقا وتنظيرا وشرحا وتأليفا وترجيحا، وفي إصلاح الشؤون العامة، وأحوال المجتمع وتدينه توجيها وإرشادا ونصحا، داعيا إلى الجمع بين المنقول والمعقول، وبين التفقه والتكلم والتصوف عالما عاملا، وفق منهج أخلاقي وأصول أهل السنة المعتبرة، مُشفِّعا ذلك بالأدلة والأمثلة في نسق بديع لا يختلف مع الواقع الذي عاشه، من غير تكلف ولا تكلس ولا تحجير، حتى نعته البعض “بغزالي عصره”
وعلى الرغم من المعاناة القاسية والعداء والاضطهاد فقد استطاع الفقيه اليوسي خلال مدة أن يفرض نفسه ويبرهن بالملموس على تضلعه في العلوم النقلية والعقلية، فأسس منهجا اجتهاديا إصلاحيا تجديديا أخلاقيا رصينا ومدرسة فكرية فريدة أصيلة توسع فيها وبرز وتصرف واجتهد، وأصبح أستاذا فيها حتى قال فيه صاحب نشر المثاني …”وكان صاحب الترجمة آية في المعقول والمنقول، واليه المرجع فيهما، وآية في النبل والإدراك…”() وقد تخرج منها جيل من العلماء الكبار أخلصوا له الحب والتقدير جاءوا من بعده أمثال : العلامة الحسن بن رحال المعداني ومحمد بن زاكور ومحمد بن عبد السلام البناني ..وغيرهم من الذين نقلوا أقواله واعتمدوا آراءه وصولا إلى زماننا هذا، ومن جملة المؤلفات التي ألفها رحمه الله والتي لا تخلو من فوائد جمة وآراء اجتهادية، تعتبر من صميم البحث قد حقق بعضها الباحثون، ومنها ما يحتاج إلى تحقيق، وهذه بعض منها نذكرها استئناسا وليس من باب الحصر:
– في التفسير: فتح الملك الوهاب فيما استشكله بعض الأصحاب من السنة والكتاب.
– في التوحيد :حاشية على شرح كبرى السنوسي .وشرحه للصغرى/رسائل في التوحيد..
– في الفقه: جل المؤلفات الفقهية لازالت مخطوطة في الخزانات العامة والخاصة وقد وقفت على أغلبها في انتظار تحقيقها مستقبلا من لدن الباحثين ومن أبرزها:
رسائل وفتاوى.
نوازل سيدي الحسن اليوسي.
شرح على شرح خليل.
منظومة فقهية على نسق متن ابن عاشر.
أجوبة فقهية متفرقة.
– بحث فيما يجب على المكلف من أصول الدين وفروعه.
– في أصول الفقه:الكوكب الساطع بشرح جمع الجوامع لتاج الدين السبكي.
– في الآداب واللغة وقواعدها: المحاضرات / ديوان شعر/زهر الاكم في الأمثال والحكم.
– في التصوف:شرح عقد جواهر المعاني في مناقب الغوث عبد القادر الجيلاني.
– في ا لمنطق: نفائس الدرر على شرح المختصر للسنوسي.
– رسائل اليوسي:وتضمنت أربعة موضوعات كبرى:
1- الشؤون العامة، وأحوال المجتمع. 2- التصوف. 3- التوحيد4.- الفقه.

3- نظرات في الإصلاح الفكري والتغيير السياسي عند الإمام اليوسي:
لم تكن جهود الحسن اليوسي في الإصلاح السياسي و تجديد الفكر الديني بالمغرب مجرد ترف فكري، بل هي جهود مضنية ذات منهج مضبوط يرتقي إلى مستوى التجديد والاجتهاد والانتقاد والرد والقبول، فقد درس الكثير من العلوم دراسة متينة تلقيا وعطاء، وتأليفا وتدريسا، وتأثرا وتأثيرا، كنموذج من أحسن وأكمل نماذج الفكر الإصلاحي المغربي في عصره – ومن خلال استقراء أغلب مؤلفاته عامة، وفتاويه ونوازله ومنظوماته ورسائله وشروحاته خاصة يلاحظ أن أغلبها لازال مخطوطا محفوظا في العديد من الخزانات والمكتبات الخاصة منها والعامة، وبتوفيق من الله تعالى وقفت واطلعت على بعضها، باعتبارها حلقة الوصل ومربط الفرس في هذه المقالة البحثية ومادتها التي سنسبر أغوارها بالدرس والاستنباط لإبراز بعضا من معالم الإصلاح والتغيير في فكر اليوسي وبيان المنهج والقواعد والأصول المعتمدة لديه.
إن شخصية الإمام اليوسي الإصلاحية التغييرية القوية، جعلته يحضى باهتمام واعتراف من لدن السلطان المولى إسماعيل، فرغم المدة الطويلة التي قضاها في الزاوية الدلائية، ورغم الأسباب الكثيرة التي كان من شأنها أن تدفعه إلى الخوض في غمار السياسة، بقي محجما عن الخوض في الصراع الدائر حوله، محافظا على مرونة كبيرة، مؤيدا للسلطان ومسالما معه ، إلا أنه في نفس الوقت لم يكن يخشى مواجهته ولا يخاف في ذلك إلا الله ولم يكن غافلا عن الواجب الذي فرضه الله على كل عالم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدح بالحق والنصح لولي الأمر، والإسهام الكبير في الإصلاح الاجتماعي.. ونذكر هنا بما نقل عن المولى إسماعيل في الاعتراف بمكانة الفقيه اليوسي العلمية والتقدير والاحترام الذي كان يوليه له والثناء عليه من بين أقرانه من أهل العلم، من أنه قال : علماء الوقت على أربعة أقسام : قسم لا يخاف إلا من الله ولا يخاف منا، وقسم يخاف من الله ومنا، وقسم يخاف منا ولا يخاف من الله، وقسم لا يخاف منا ولا من الله . ومثل للقسم الأول بالإمام اليوسي رحمه الله.
لقد كانت قوة شخصية اليوسي الإصلاحية، وقدرتها على جمع شتات الأمة وتوحيد صفها من الأسباب التي جعلت السلطان المولى إسماعيل يلومه على تفضيله سكنى البادية جاء في جواب الإمام اليوسي على كتاب من السلطان:
“وقول الكتاب : وهل يستفتونك وأنت في البادية؟ فأقول: أما أهل البادية فلا يطلبون غيري وأما أهل الحاضرة فعندهم من يكفيهم ومن احتاج إلي فليأتني” والسلطان إسماعيل نفسه لم يكن مستغنيا عن فتاويه، بالرغم من تواجد علماء كبار من معاصريه بالساحة العلمية بفاس، بل إنه كان يلح عليه حتى إن اليوسي لم يخف ضيقه بهذا الإلحاح فقال في إحدى فتاويه مخاطبا السلطان: (وقد أرهقتنا مولانا بالفتوى، ولم تكن من شأننا ولا كنا أهلا لها في أدنى شئ فكيف في هذا الجناب الأعظم)
ولما كان التقليد الأعمى للمذهب والجمود عليه، وعدم استعمال الرأي، والبدع والضلالات والانحرافات الدينية والاجتماعية…هي خاصيات عرف بها عصر اليوسي ومعاصروه فان فكره أبى إلا نبذ ذلك، وليس معنى الرأي هنا إتباع الهوى، وإنما معناه الترجيح القائم على العلم، ومعناه أيضا ظهور شخصية الباحث في المسائل والقضايا التي يتناولها، ظهورا يرتفع به غمار المقلدين إلى علياء المصلحين المجددين المجتهدين. فالاستقلال في الرأي سمة وأصالة، وقد يبدو هناك تعارض بين ما في معنى الاستقلال من انفصال وما في معنى الأصالة من ارتباط، لكن عند التحقيق يظهر أنهما متكاملان، فالاستقلال بدون أصالة شذوذ والأصالة بدون استقلال جمود، والشخصية الجامعة بين الأصالة والتجديد نادرة الوجود، ولا تكون إلا زبدة جيل أو مخاض عصر بأكمله، ولقد كان اليوسي رحمه الله من المصلحين المجددين والمجتهدين الذين تظهر أصالتهم واستقلاليتهم في الرأي في جل أبحاثهم وآثارهم، حيث ينحو منحى خاصا فيقبل من كلام القدماء ويرد، وربما أتى برأي ينافس به فحولهم ويخالفهم. ومعلوم أن الرأي المخالف إن كان من الدلائل الشرعية التفصيلية وكان صاحبه ممن توفرت فيه الشروط اللازمة فهو اجتهاد لا يغض من قدر الرجل حتى في حال الخطأ.فأحرى عند مجرد المخالفة، سواء تعلق الأمر بالاجتهاد المطلق، أواجتهاد المذهب، أو اجتهاد الفتوى بشروطه المعروفة، ففي جوابه للسلطان إسماعيل في مسألة الأمة التي واقعها وأراد أن يعرف الحكم إن أراد الانتقال إلى ابنتها لدليل جلي على مدى استقلال فكر اليوسي وشخصيته الإصلاحية ومدى تحرره و استيعابه الذي يحيط بالمسألة وبجوانبها – بلا كبير روية ولا مراجعة المظان أحيانا لخلو اليد من الكتب- على خلاف جوابين عن نفس السؤال لعالمين جليلين من معاصريه، ليتضح الفرق بينه وبين غيره في الطريقة والمنهاج، أجاب الفقيه القاضي أبو مروان عبد المالك التجمعتي بقوله: ” إن إصابة المشار إليه في السؤال للأمة المأخوذة من أهلها على الوجه المنبه عليه، إصابة ملغاة في نشر الحرمة في أصولها وفصولها، فلا يترتب شئ من لوازم الوطء الشرعي. فيحل وطء ابنتها مثلا بالملك والنكاح، وعليه درج الإمام مالك في (الموطأ) وكفى به قدوة وحجة وما وقع في (المدونة) محمولا عند بعض العلماء على الكراهة،وعليه فالخطب في المسألة سهل.والله أعلم”.
وأجاب القاضي أبو عبد الله سيدي محمد بن الحسن المجاصي فقال: الجواب أعلاه صحيح، وما نقل عن الإمام في الموطأ قال الحافظ: عليه جل أصحابه. بل قد قال غير واحد: إنهم جميعهم عليه. قال سحنون: ولا اختلاف بينهم. وتشهير مقابلة لم يقف المحققون على بعد البحث عنه عليه.والاغترار بكلام (التهذيب) مدفوع بكلام عياض على الأصل. وبالجملة قول الإمام السابق هو المعول عليه ويؤيده من جهة النظر أن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا حسبما تقرر في القواعد”
ثم أجاب الفقيه اليوسي بقوله:” ينبغي أن ينظر إلى حال السائل عند مواقعته الأمة المذكورة، فانه لا يخلو ساعتئد من ثلاث حالات:
الأولى: أن يطأها معتقدا لحريتها مقتحما لذلك بلا وجه ولا شبهة الزنا المحض الذي يترتب فيه الحد وينتفي الولد.
الثانية: أن يطأها معتقدا للحلية متمسكا بوجه شرعي عنده بأن يرى لنفسه صحة الملكية على الأمة المذكورة بسبب يعتبره، إما أن يكون المال المأخوذ مثلا في الحقيقة خراجا وان سماه اسما أخر وكون ذلك من المصالح العامة المرسلة التي ينضبط بها أمر الناس أو من العقوبات بالمال لأجل ذلك، ويدين بمذهب من يرى شيئا من ذلك في المذهب أو خارجه، أو إنما المأخوذ غضبا أنما هو النقد والأمة أو نحو ذلك من التأويلات، ثم يرى أنها إذا حصلت بذلك الوجه وصارت في عدد المال كان له حق في المال فلتكن هي ذلك النصيب أو بعضا منه، ويكون في هذا كله قد نظر لنفسه في المسألة إن كانت له مشاركة أو قد أفتاه مفت يرضاه فقلده.
الثالثة: أن يطأها معتقدا للحلية لا بوجه، ولكن جهلا منه بتلك الصورة، وظنا منه أنها من جملة المباح له..
وهكذا تتضح جليا شخصية اليوسي الإصلاحية المتفردة وطريقته الاستنباطية من تفصيل وتفريع وما نتج عن ذلك من بيان شاق للأحكام، وتنزيل الأقوال في منازلها المعتبرة مما يزيل التعارض ويقرب شقة الخلاف ويساعد على التوفيق والجمع.، فجل فتاويه ليست فتاوى جافة متزمتة وإنما هي بحوث ممتعة تحيط بالظروف السياسية والاجتماعية ،يبدي فيها آراؤه ويجتهد، وينظر إلى الأمر من جميع وجوهه، كما أنه يحتفظ لفتاويه بميزة اليسر في الأحكام وخفة التكليف ، وعدم العسر والحرج والأخذ بسياسة الشارع في الرفق الذي يجلب الإنسان إلى الطاعة بصفة تلقائية، حيث كان يحمل السائل المسؤولية نفسه لأنه أدرى بدواخله ودوافعه وهذا في جميع اجتهاداته، هذا إلى جانب الترتيب والنظام والاستيعاب والتقليل من الإحالات على كتب الفقه وضرب بعضها ببعض كما هو عند غيره.
وهكذا وضع الفقيه اليوسي رحمه الله بصمته، وسطر شخصيته بماء من ذهب، من خلال المدرسة الإصلاحية التجديدية والتراث الضخم من المؤلفات والعديد من الرسائل والنوازل والفتاوى والأجوبة، سواء في جانب الإصلاح العقدي والسياسي أو الفقهي والاجتماعي…،
والثابت أن علم اليوسي وذيوع صيته، قد أكسبه علاقات مستحكمة من الطلبة لا تنتهي بحلقات الدروس، بل تتجاوزها إلى الصحبة والاتصال المستمر مشافهة وكتابة..مما فسح لمؤلفاته وأفكاره المجال للذيوع والانتشار خصوصا ما جاء في رسائله في الشؤون العامة..، وإصلاح المجتمع، فأخباره مع السلطان إسماعيل يعرفها الجميع في عصره، ورسائله إليه يتناقلها الطلبة والمثقفون..، فقد واجه رحمه الله واقعه الاجتماعي السياسي بالتوجيه والإصلاح والتصحيح والنقد، وبالرفض عندما لا يتمكن من استعمالها، الرفض العملي الذي أفضى به إلى التشريد في آخر حياته، وارفض بالكلمة..وكأنه يستهزئ بهؤلاء الذين يحيط بهم الفساد الأخلاقي من كل جانب فلا يضايقهم ولا يتخذون منه موفقا معينا، ولا يريدون أن يعيشوا لقضية من القضايا في حياتهم. فهؤلاء الذين لا ينتمون إلى قضايا مجتمعهم يرى فيهم اليوسي فقدانا للحس كالمجانين، أو ضعفه كالأطفال، وهؤلاء يسلم باطنهم من كل صراع..إما الذين ينتصرون لقضية معينة، فإنهم مقضي عليهم بعذاب الباطن، ولا ينس اليوسي رحمه الله هؤلاء المنتمين إلى شئ غير صحيح، ولا يقوم على أساس، ويتوهمون فيه الملائمة، ويكرهون الملائم ويتوهمون أنه منافر، بتدخل عامل من العوامل وهؤلاء هم المنتمون المزيفون”()، وكل مجتمع يعيش مرحلة تحول سياسي واجتماعي مثل عصر الفقيه اليوسي، فانه سيعرف هذه النماذج الثلاثة: الذين يعملون من أجل مثلهم وأخلاقهم وقيمهم فيتعذبون، وهؤلاء الراضون بالسلامة، وهؤلاء المنخرطون في صراع منحرف عن طبيعة الأمور.”وهذه الحقيقة هي التي جعلته يتأثر بعصره ويؤثر فيه كذلك، من حيث أنه يكشف عن بعض المخبآت فيه، ويؤشر على جملة من تناقضاته، ويرهص بصيغ جديدة لإعادة تشكيل البنية الأخلاقية، وبعض البنيات المهترئة فيه، وهو لا يفكر رحمه الله في هذا التكوين الجديد نسجا على منوال أو نموذج خياليين، ولكن تحفزا من الواقع ومعاناته فيه”().
4- على سبيل الختم:
لم يكن الإمام اليوسي رحمه الله منعزلا عن هموم مجتمعه وقضاياه بل كان متغلغلا ومشاركا له مصلحا ومصححا وموجها لعوائده وتقاليده محافظا على أصالته وأصوله الحضارية التي نشأ وتربى عليها، بأسلوب حكيم وخلق كريم، ففي رسالته (جواب الكتاب)، وهو يعدد أسباب استثقاله لسكنى مدينة فاس، إذ ذكر” منها فساد طبع العيال والأولاد والأصحاب ونخشى ذلك نحن أيضا في أنفسنا من جهات: إحداها تعلم الشهوات والاتساع فيها، وان كنا في البادية لا نعرفها، ووجدنا آباءنا يعيشون بما وجدوا قانعين به، يلبسون الثوب الخشن ويأكلون البرتارة والشعير أخرى والدخن أخرى والتمر أخرى والبلوط وحب العرعار أخرى، حامدين شاكرين، ما رأوا قط لباب البر ولا إبزارا ولا عطرا ولا كتانا ولا ملفا..ثانيها الوقاحة في ذلك وقلة الحياء، فقد كنا في البادية تستحي المرأة أن تطلب اللحم فكيف بما وراءه، ولكن تتشوف إلى المواسم أو ضيف نزل فيذبح له أو يشترى له أو إنفاق يأتي به الله من غير استدعاء، فوجدنا المرأة في الحاضرة تراعى الباب وتقول للرجل: انفق وارجع إلى السوق، ولا تسمع إلا سوق اللحم، سوق الحوت، سوق الزعفران، وهكذا..ثالثها أن يتعلم الصبيان اللؤم والبخل وقلة السماحة كما هو دأب أهل الحاضرة وما فسدت طبائع العرب إلا في الحواضر…”()
في ختام هذه المقالة نسجل ما يلي:
أولا: إن الإمام اليوسي المصلح المجدد، الفقيه الأديب الأصولي المحرر المحقق الشهير، وهو نموذج للمفكر المصلح الذي ارتبطت حياته بأفكاره الإصلاحية التغييرية، ولم يعرف ما يعاني الفكر الإسلامي اليوم من انفصام يجعل غالبا حياة المفكر وما يؤمن به من أفكار إصلاحية على طرفي نقيض فاستطاع أن يحرك الفكر المغربي ويصلحه بطاقته المتجددة ويجعله يساير من خلالها كل المتغيرات والقضايا المستجدة، مراجعا المظان، ومستحضرا الفنون المختلفة من معقول ومنقول. قال عنه اليفراني: “الشيخ الإمام علم الإعلام شيخ الإسلام آخر علماء المغرب على الإطلاق، ومن وقع على علمه وصلاحه الإجماع والاتفاق”.
ثانيا: يجب إبراز التراث الفكري للعلامة اليوسي وآراءه الإصلاحية السياسية واجتهاداته الدينية التي ضمنها في مؤلفاته وشروحاته ورسائله وفتاويه ونوازله الفقهية المعروفة ، وإزالة عنها غبار النسيان والإهمال قبل أن يصيبها التلف، ودراسة منهجه – من خلالها – دراسة واعية، وسبر معالمه والوقوف على حقائقه، واستكناه جوهره، وإبراز أصالته وخصوصياته ، اقتناعا منا بأهميته التي لا يماري فيها في تصحيح مسار الأمة وتجديد دينها و تدينها، واغناء الصرح التشريعي والعمل القضائي والدفع بالورش الإصلاحي التغييري الحقيقي…بهذا البلد الحبيب.
ثالثا: يلاحظ غياب دراسة استقرائية تهدف إلى استخراج وإبراز منظومة اليوسي الفكرية الإصلاحية، ومنهجه فيها، لان جل الأبحاث والدراسات والندوات والملتقيات والمحاضرات والمقالات..التي تناولت شخصية العلامة اليوسي رحمه الله ذات طابع تجزيئي و في مجالات محصورة ومخصوصة من فكره، وتبقى جوانب أخرى من شخصيته الإصلاحية التغييرية التجديدية لم تلق الدرس اللازم من لدن الباحثين.
رابعا: ضرورة إظهار القواعد العلمية والضوابط المنهجية العامة، التي جاءت مبثوثة بين ثنايا كتبه، والأساليب التي يتبعها في تأييد وجهة نظره فيها، والقدرة على البسط والبرهنة، والرد والقبول، والجمع بين المنقول والمعقول، مراعيا في ذلك آداب الخطاب ومستوى المخاطب متبعا للحق مهما بلغ به الأمر.
إن الباحث الحق والدارس الذي يقف على التراث الفكري الذي تركه الإمام اليوسي والإصلاح السياسي الذي خاض غماره، يجد نفسه أمام مصلح مجدد وعالم فذ ذو منهج رصين له آراء وترجيحات بديعة، استطاع إلى حد بعيد إحياء القلوب، وتحريك العقول باختراق الحواجز النفسية التاريخية لعقلية التقليد والجمود، وتقديم نموذج إصلاحي تغييري تجديدي اجتهادي متميز، سواء في جانب المنهج التأصيلي أو الإنتاج الفكري والحضاري لهذا المنهج. فتتشوق نفسه للغوص في هذه المدرسة الإصلاحية التجديدية المغربية الأصيلة واستكناه معالمها.
وأرجوا صادقا أن تكون هده المقالة العلمية إن شاء الله بما تضمنت من إشارات علمية – واللبيب بالإشارة يفهم- قاعدة أساس للانطلاق الفعلي لدراسة وتحقيق التراث الفكري، وإبراز المشروع الإصلاحي التغييري الكبير للإمام اليوسي – عبر دراسات علمية أكاديمية- وبيان المنهج المتكامل له في تجديد الفكر الديني بالمغرب الحديث.

إعداد: الأستاذ عبد العزيز تكني
أستاذ باحث في علوم التربية والفكر الإسلامي.
HYPERLINK “mailto:[email protected][email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق