الموسوعة، التي من المرتقب صدور بقية أجزائها الورقية، يتاح الاطلاع على وثيقتها المنهجية رقميا، وتقدم للقراء الأسس المعرفية والمنهجية لـ”القيم الكونية في القرآن الكريم” وتطبيقاتها الممكنة، مع استحضار “أحوال الناس واختياراتهم العقدية والفكرية والسلوكية”.
وتكوّن فريق البحث من المشرف خالد الصمدي، والمدير التنفيذي السعيد الزاهري، بمشاركة سعيد ملاوي والحسان شهيد وهشام تهتاه والخلافة متوكل وعبد الرحيم البطيوي وإدريس بحوت وأحمد بوعبدلاوي ومراد الرابط وعبد الجليل البكوري وزكية مازغ ومحمد سعيد الدحروش ورشيد البقالي ومصطفى الصوفي والحسن الحجامي وعبد الرحمن بودراع.
وتأتي هذه الموسوعة في وقت يعرف فيه “عالمنا اليوم تقاربا واحتكاكا غير مسبوق بين المجموعات البشرية، انهدمت معه الحدود التقليدية المعروفة سياسيا واجتماعيا وثقافيا، فتمازجت الطوائف والأديان والأعراق والثقافات دونما حاجة إلى حركة أو تنقل، مما أصبحت معه الحاجة ماسة إلى إعادة النظر في كثير من المقولات والمفاهيم والثنائيات السائدة في الحقل الفكري والثقافي؛ من قبيل ‘الهوية والانفتاح’، و’الخصوصية والعالمية’، و’الذات والآخر’، فقد أصبح الآخر فينا وأصبحنا نحن بدورنا جزءا منه، وأضحت الحاجة ماسة إلى تجديد النظر في المنظومات المفاهيمية المختلفة التي أصابتها تحولات وتشوهات”.
وتابع تقديم الموسوعة: “إن هذا الواقع الجديد، الذي خلقته طرق التواصل السيارة عبر التكنولوجيات الحديثة، نتجت عنه تحديات جديدة للهويات القومية والدينية والثقافية، جعلتها تنتقل بالضرورة من منطق تحصين الذات بتقوية خصوصياتها إلى التفكير في كيفية تحقيق الهدف نفسه؛ لكن عن طريق إضافة بعد جديد يتجلى في تقوية القدرة على التعايش مع الآخر، والبحث عن المشترك، وتدبير الاختلاف، وغيرها من المفاهيم الجديدة التي أصبحت تحتل مكان الصدارة في اهتمامات المفكرين والباحثين والفاعلين الاجتماعيين، بل حتى الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين، لما لذلك من أثر كبير في نزع فتيل النزاعات التي عرفها العالم في القرنين الأخيرين، والتي يحرص غالبا بعضهم على تحميل مسؤولياتها ‘للنوازع الهوياتية’ المنشغلة دوما ببناء الذات وتقوية الخصوصيات، وتحصين خطوط الدفاع ‘الذاتية’ تجاه الآخر، الذي يُفترض فيه دائما أنه نقيض ومتربص؛ مما يولد الإحساس الدائم بحالة الاستنفار، لحماية الذات من الانسلاخ المؤدي إلى الانصهار، ثم الاندثار، وليست الهوية الحضارية الإسلامية ببعيدة عن هذه التحولات، كما لم تكن كذلك من قبل على مر التاريخ”.
وواصل التقديم: “وإذا كانت هذه الهوية التي تستند إلى مرجعية تجمع بين العقل والوحي والكون، قد سطرت في مرجعياتها الحرص المتوازن على تقوية الذات، وفي الوقت نفسه مد جسور التواصل مع الهويات المختلفة دون الخشية من الذوبان لعوامل قوة ذاتية، تتمثل فيما تمتلكه من قواعد ومقاصد إنسية كبرى، مستندة إلى سنن كونية جامعة وموجهة تتضمنها نصوص الوحي المسطور (…) فقد أتى على هذا النموذج الحضاري حين من الدهر، اختل فيه هذا التوازن الموجود بين التأسيس النظري والممارسات العلمية، نتيجة التفاعل الذي حصل عبر التاريخ مع التحولات الدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي عرفها العالم من جهة، وانحسار الاجتهاد المفضي إلى توليد فكر جديد يستدمج هذه التحولات والتطورات، ويحسن تحليلها وقراءتها قراءة واعية متجددة للوحي، الذي تتجدد تنزلاته في كل عصر وحين، وكذا إعمال متجدد للعقل بالاستفادة من التجارب الإنسانية المنتجة للحكمة، التي تعد ضالة المؤمن”.
وحول الحاجة إلى هذا المشروع الجماعي، أوضح الجزء الأول من الموسوعة المعنون بـ”الوثيقة الناظمة” أنه استجابة لـ”الحاجة الماسة، أكثر من أي وقت مضى، إلى استجلاء الخريطة المرجعية للمفاهيم التأسيسية من القرآن الكريم، لتكون مرجعا للتقييم وتشخيص الأعطاب الفكرية (…) ولتكون مرجعا للبناء الفكري الجديد نظريا، وتنزيله تطبيقيا قبل التوجه إلى بناء مشاريع إصلاحية محددة في الزمان والمكان والمجال”، ثم شرح: “إنه نسق منهجي يستند إلى مصدر جامع، هو القرآن الكريم والبيان النبوي، وإلى قواعد عامة ناظمة، وتصور واضح لكيفية الاستفادة من هذا النسق المنهجي الجامع”.
ويمكن استثمار هذا الجهد العلمي في “تشخيص الأعطاب المفاهيمية والفكرية بمنهجية علمية، تفضي إلى نتائج يمكن الاطمئنان إليها”، و”بناء مشاريع الإصلاح الفكري نظريا وتطبيقيا، وتتجلى مقاصدها الكبرى في: صياغة خطاب جامع معزز للخصوصيات الدينية والحضارية، ومستوعب للتعدد والتنوع والاختلاف (…) يستند إلى تصور واضح، ورؤية للعالم والإنسان والمصير، ولكيفية تدبير الكون على أنه فضاء للعيش المشترك (…) وبناء مشاريع إصلاح تطبيقية في مختلف المجالات التربوية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية والصحية والبيئية وغيرها (…) وامتلاك قدرات ومهارات تواصلية عالية في الجدال والحوار من أجل توسيع دائرة المشترك، واستثمارها لصالح الإنسان في سياق سنة التدافع المفضية إلى التوازن المنشود”.
وبعمل مشترك بين “المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية بالرباط” و”المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن”، يرى هذا المشروع النور بمقصد معلن هو “الإسهام الرشيد في المسار الإصلاحي الفكري، الذي تعرفه الأمة الإسلامية وهي تجدد ذاتها في تفاعل إيجابي مع محيطها، لتخرج للعالمين خطاب الرحمة والائتلاف”.