الفضاء الإخباريمقالات

محمد بولوز:التربية الاسلامية أنسب للوثائق المرجعية وأسلم في تأويل الخطاب الملكي

د. محمد بولوز

توصل بعض الناشرين يوم الثالث من يونيو الجاري بمراسلة من مدير المناهج بوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني تحت عنوان “مراجعة الكتب المدرسية للتربية الدينية” يدعو فيها إلى جلسة عمل يوم الأربعاء ٨ يونيو٢٠١٦ للاطلاع على الاجراءات المواكبة المتعلقة بمراجعة الكتب المدرسية الخاصة بما أسمته المراسلة ب”التربية الدينية” استعدادا للدخول المدرسي ٢٠١٦-٢٠١٧، في اتجاه”إعطاء أهمية أكبر للتربية على القيم الاسلامية السمحة، وفي صلبها المذهب السني المالكي الداعي إلى الوسطية والاعتدال، وإلى التسامح والتعايش مع مختلف الثقافات والحضارات الانسانية” وذلك تبعا”للتوجيهات الملكية السامية للسيدين وزير التربية الوطنية والتكوين المهني، ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية خلال مجلس الوزراء المنعقد بتاريخ فبراير٢٠١٦ بمدينة العيون”

فالمراسلة استخدمت عبارة “التربية الدينية” والأنسب تربويا ومسطريا استعمال المصطلح والوصف الجاري به العمل وخصوصا في دائرة اختصاص وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني وهو التربية الاسلامية والتعليم الأصيل، فمن يراجع الوثائق الرسمية بدءا من الدستور إلى ميثاق التربية والتكوين إلى الكتاب الأبيض بمختلف أجزائه التي دخلت في تفاصيل المواد ومناهجها والذي وقعه أكثر من ٥٠٠ شخصية ممن ساهموا فيه، لن يجد شيئا اسمه التربية الدينية، وإنما يجد التربية الاسلامية، التعليم الأصيل، المواد الاسلامية، الثقافة الاسلامية، الحضارة الاسلامية، وخاصية البحث بحمد الله التي توفرها الحواسيب داخل الملفات متاحة أمام الجميع، بحيث لا تخرج بشيء إذا كتبت عبارة “التربية الدينية” والعجيب أن كلمة “الدينية” في الدستور مثلا ترد في سياق الحفاظ على حرية غير المسلمين في ممارسة شؤونهم الدينية كلما تحدثت عن مرجعية الأمة ومهام أمير المومنين فيه، ففي الفصل الثالث من الدستور” الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية.”

وفي الفصل ٤١ منه” الملك، أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية.”

ويبدو أن اللبس الذي وقع للسيد مدير المناهج أو من أوحى إليه أو أمره بذلك، هو الرغبة في الوفاء بظاهر العبارة الواردة في التوجيهات الملكية في خطاب العيون، والحال أن الخطاب استهدف مختلف صور تدريس الدين الاسلامي في مختلف أصناف المؤسسات التابعة لجهات مختلفة مثل التعليم العتيق وجامعة القرويين بكليات الشريعة وأصول الدين التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية ودار الحديث الحسنية التابعة للقصر الملكي وشعب الدراسات الاسلامية التابعة للتعليم العالي والبحث العلمي، ومادة التربية الاسلامية والتعليم الأصيل في وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، والحال أن الواجب أن تحافظ كل مؤسسة على مسمياتها حتى لا تختلط الأمور ويصعب التمييز فيختلط في عبارة “التربية الدينية” التعليم الأصيل بالتربية الاسلامية بالشريعة وأصول الدين والدراسات الاسلامية والتعليم العتيق وربما أيضا بالتربية العبرية أو”الاسرائلية” وربما بأقليات دينية أخرى كالنصرانية والبوذية مع الانفتاح على الصين، وقد يطالب أتباع “ياكوش” ونحلة “كسيلة” و”الكاهنة” إذا انبعثت من جديد من بعد ما اندثرت على أيدي الأباة، بنصيبهم من “التربية الدينية” ونحو ذلك مما تحتمله هذه العبارة الهلامية الموحية.

ثم إن تغيير الأسماء وعبارات المواد الدراسية لا يأتي بهذه السهولة والارتجال، فالأمر بحاجة إلى توسيع المشورة ودراسة الجدوى واتباع المساطر القانونية والمراسيم المعتمدة واحترام عمل المؤسسات، والشأن التعليمي أحوج القطاعات إلى التريث والانصات والإشراك، وإلا فهو عين التخبط والإرباك والقفز في الهواء من غير منهج علمي ولا رشاد تربوي.

ومن المؤشرات السلبية التي كشفت عنها المراسلة، والتي لا تبشر بخير في عامة الأحوال، أن اللجنة العلمية المكلفة أنهت أشغالها ولم يبق غير التنزيل والتطبيق، فلم يعرف الشعب المغربي من تكون تلك اللجنة ولم يعرفها المختصون وذوو الشأن العلمي والتربوي، فالدستور وهو أكبر من ذلك، كانت لجنته معلومة يراسلها الناس وتستمع إليهم، وكذلك الشأن في مدونة الأسرة ومشاورات المجلس الأعلى للتعليم وكل شأن كبير يهم عموم الناس، فالإبن الشرعي للشعب يعرف أبوه، ونكاح السر مذموم لا يأتي بخير، وتجاوزا للمستوى المتقدم من الديموقراطية يمكن أن يعهد بالأمر ذي البال إلى لجنة خاصة، ولكن لتصوغ أرضية في الموضوع ثم تعرض للنقاش العمومي من ذوي الشأن والاختصاص ويتم فيها تقليب النظر، لننظر أولا أي شيء في مناهجنا يتنافى والتسامح والوسطية والاعتدال والمذهب المالكي السني والانفتاح الراشد على الثقافات والحضارات، حتى يحتاج إلى مراجعة؟ وهل الحاجة قائمة فعلا وبدوافع داخلية أم الأمر فيه إملاءات تفقدنا لذة الاحتفال بذكرى الاستقلال؟ ثم ما هو المنهج الأسلم، هل هو اعتقد ثم ابحث عما يؤيد اعتقادك، واشته ثم نقب عن ما يشبع أهواءك وشهواتك؟ أم تسلم لله فيما يريد بك من إقامة الدين وعمارة الأرض وإصلاح المجتمع وتوجيهك لسعادة الدارين، وتعرض على الوحي تساؤلاتك وحاجاتك الحقيقية فتأخذ ما هو مشروع ومأذون فيه على صراط مستقيم؟

*أستاذ باحث في المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق