أنشطة الفروع والجهاتالتربية الإسلاميةالفضاء الإخباريمناهج التدريس

ذ . يوسف الشبلاوي: منهاج التربية الإسلامية المعدل؛ قراءة في السياق، ومخرجات التعديل.

قال يوسف الشبلاوي ، أستاذ باحث ،  إن تغيير المناهج التعليمية في بلادنا يُثير عادةً، نقاشاً حاداً بين مختلف الحساسيات المجتمعية، والتيارات السياسية و الفكرية، سواء منها المشتغلة بقضايا التربية و التكوين أم البعيدة عن المجال ، خصوصاً حين يَتعلق الأْمُر بمناهج وبرامج التربية الإسلامية؛ ولاشك في أن كل مراجعة تمت أو ستتم في المستقبل إلا ولها سياقاتها الزمنية والدولية والوطنية، بل والسياسية التي تطرح في إطارها، و تتبلور من خلالها أغراض و غايات التغيير أو التعديل.

http://
وتساءل الشبلاوي عن السياقات التي أفرزت الدعوة لتعديل منهاج التربية الإسلامية ؟ و ماهي مقاصد و غايات هذا التعديل ؟ و ما مدى استجابة مخرجات التعديل لهذه الغايات ؟

وبدأ الشبلاوي مداخلته بمقدمة أساسية جاء فيها: ” إن عملية مراجعة وتطوير مناهج المواد الدراسية المكونة للمنظومة التعليمية عامة، بما فيها منهج مادة التربية الإسلامية، ضرورة تربوية ومطلب مجتمعي بعد كل فترة من الزمن، يدخل في صميم طبيعة هذه المناهج المتسمة بالحركية، اعتبارا للتغيرات السوسيوثقافية التي تعرفها منظومة التربية والتكوين من جهة، وتسارع الخصوصيات النمائية للفئات المستهدفة من جهة ثانية.
– تجديد و تطوير المناهج التعليمية مطلب مشروع بل ضرورة ملحة في ظل منظومة تعاني مشاكل مركبة، خصوصا إذا تعلق الأمر بمادة دراسية تجيب عن حاجة ملحة لدى المتعلمين، فإذا لم يفهم المتعلم دينه من خلال مناهج علمية وذات جودة عالية سيسعى إلى إشباع تلك الحاجات بطرق أخرى في غياب أية حصانة، الأمر الذي يستدعي تعزيز مكانة المادة في المنظومة .
وأضاف ذات المتحدث ، أن النقاش في هذا الموضوع يقتضي العلمية في التناول انطلاقا من الوثائق الرسمية بعيدا عن التمثلات والأحكام التي يُعوزها الدليل وتفتقد للحجة. و بمنأى عن النقاش الإيديولوجي والاستقطاب كيفما كان نوعه؛ لأن القضية ترتبط بالمدرسة المغربية، فمراعاة المصلحة الوطنية هي التي ينبغي استحضارها ابتداء.
وشدد الشبلاوي ،على أن الأصل في عملية المراجعة للمنهاج؛ تكون ناتجة عن عمليات متابعة وتقويم مستمرة؛ من خلال مجموعة من التقارير والدراسات التي يقوم بها الخبراء التربويون المتخصصون وذلك “للوقوف على مدى تحقيق المنهاج لأهدافه ومعرفة المشكلات التي تحدث عند التطبيق حتى يمكن مواجهتها.
وقدم الأستاذ الباحث قراءة في سياق التعديل وقسمه إلى سياقين محلي وطني وآخر دولي
فأما بخصوص السياق المحلي: فقد جاءت الدعوة إلى مراجعة مناهج “التربية الدينية” عقب إنتهاء أشغال المؤتمر المنعقد بمدينة مراكش تحت عنوان: ” حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية: الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة” أيام: 25-26-27يناير 2016 على امتداد ثلاثة أيام، شارك فيها العديد من العلماء والباحثين والمهتمين؛ وقد دعا البيان الختامي للمؤتمر” المؤسسات العلمية والمرجعيات الدينية إلى القيام بمراجعات شجاعة ومسؤولة للمناهج الدراسية للتصدي لأخلال الثقافة المأزومة التي تولد التطرف والعدوانية، وتغذي الحروب والفتن، وتمزق وحدة المجتمعات” 9.
ليعقبها بلاغ للديوان الملكي يوم السبت 30 يناير2016 يدعو وزارتي التربية الوطنية ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى مراجعة مناهج وبرامج تدريس التربية الدينية في مختلف مستويات التعليم العام و الخاص و كذا بمؤسسات التعليم العتيق بغرض تكريس قيم التسامح والاعتدال.
وحسب البلاغ الصادر؛ ستتم مراجعة مناهج تدريس “التربية الدينية” في اتجاه (إعطاء أهمية أكبر للتربية على القيم الإسلامية السمحة، وفي صلبها المذهب السني المالكي الداعي إلى الوسطية والاعتدال، وإلى التسامح والتعايش مع مختلف الثقافات والحضارات الإنسانية) وفق بيان الديوان الملكي.وأَْن ترتكز البرامج والمناهج التعليمية على “القيم الأصيلة للشعب المغربي، وعلى عاداته وتقاليده العريقة القائمة على التشبث بمقومات الهوية الوطنية الموحدة الغنية بتعدد مكوناتها، وعلى التفاعل الإيجابي والانفتاح على مجتمع المعرفة وعلى مستجدات العصر” حسب البلاغ دائما.
و تزامنت هذه الدعوة كذلك مع ارتفاع أصوات دأبت على التهجم على مادة التربية الإسلامية وتحميلها مسؤولية من كل حجة علمية أو تربوية؛ صناعة العنف والتطرف! في ادعاء غريب عا ناتج عن ضعف دراية واطلاع على منهاج المواد الإسلامية؛ المصادق عليه من طرف وزارة التربية الوطنية؛ و المعد وفق دفتر للتحملات؛منسجم مع مقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين؛ وتوجيهات الوثيقة الإطار؛ شارك في إعداده نخبة من الخبراء التربويين وذوي التخصصات المختلفة. و قد جاءت المبادرة الملكية المنطلقة من المجلس الوزاري المنعقد يوم 6 فبراير 2016 بمدينة العيون جاءت ردا على هذه الاتهامات والتساؤلات؛ حيث تسير في اتجاه تقوية مكانة المادة الدينية في البرامج الدراسية لتقوية بعدها القيمي في اتجاه إعطاء أهمية أكبر للتربية على القيم الإسلامية السمحة، وفي صلبها المذهب السني المالكي الداعية إلى الوسطية والاعتدال، وإلى التسامح والتعايش مع مختلف الثقافات والحضارات ألإنسانية انطلاقا من مرتكزين اثنين:
– التشبث بمقومات الهوية الوطنية الموحدة
– والتفاعل الإيجابي والانفتاح على مجتمع المعرفة وعلى مستجدات العصر.
السياق الدولي:
فارتبط أساسا بإكراهات العولمة وما يعيشه العالم من ظواهر وإكراهات واختلالات على المستوى الأمني والقيمي، و هذا السياق الدولي كان له أثر في مراجعة مناهج “التربية الدينية”؛ بعدد من الدول العربية والإسلامية كمصر والسعودية والإمارات والأردن والعراق وغيرها…
القراءة مخرجات التعديل:
و قد جعلتها قراءة مقارنة بين المنهاج القديم و المنهاج الجديد ، شملت رصد جوانب الاتفاق و الاختلاف بينهما سواء من حيث المنطلقات و الاختيارات و التوجهات العامة للإصلاح أم من حيث المضامين وتوزيع الدروس و غلافها الزمن و المقاربة البيداغوجية المعتمدة
أولا: من حيث المنطلقات والاختيارات والتوجهات العامة للإصلاح
إذا كان منهاج التربية الإسلامية القديم ، قد تم بناله ومراجعته انطلاقا من المبادئ الأساسية والمرتكزات الثابتة والغايات الكبرى التي نص عليها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والاختيارات والتوجهات العامة الواردة في الوثيقة الإطار للإصلاح، فإن المنطلقات العامة للإصلاح المعتمدة في بناء المنهاج الجديد تضيف إلى ذلك مقتضيات الرؤية الإستراتيجية وكذا إستراتيجية الوزارة في مراجعة المناهج والبرامج المتمثلة في التدابير ذات الأولوية.
وعليه فإن الاختيارات والتوجهات العامة للإصلاح لم تتغير، فتم بذلك الاحتفاظ بنفس الاختيارات والتوجهات المعتمدة في الإصلاح التربوي في مجالات القيم والكفايات والمضامين.
ثانيا: من حيث المدخل البيداغوجي.
فقد أكدت الوثيقة الإطار الجديدة على الاستمرار في اعتماد المقاربة بالكفايات في بناء المنهاج الدراسي، مع اعتماد مداخل جديدة هي التزكية والاقتداء والاستجابة والقسط والحكمة.
ثالثا: من حيث المضامين و توزيع الحصص:
فمن خلال توصيف برنامج المادة للسلكين الثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي، ومن خلال ملاحظة الدروس المندرجة ضمن كل مدخل من المداخل الخمسة يلاحظ ما يلي:
الثانوي الإعدادي:
المنهاج القديم:
عدد الدروس المقررة في المنهاج القديم هو 40 درسا موزعة على 10 وحدات، وسورة قرآنية في كل سنة إضافة إلى الأنشطة التطبيقية الداعمة.
المنهاج الجديد:
-تقدم محتويات المنهاج الجديد في كل سنة من سنوات السلك في 20 درسا موزعة على خمسة مداخل هي التزكية والاقتداء والاستجابة والقسط والحكمة .وتقدم هذه الدروس في حصتين عوض حصة واحدة كان معمول بها في المنهاج القديم، تحقيقا لمبدإ التخفيف، بالإضافة إلى سورتين قرآنيتين كل سنة مع غياب الأنشطة التطبيقية الداعمة.
–  و يلاحظ أن محتوى المنهاج الجديد يشبه إلى حد كبير سابقه، فجميع دروسه مطابقة أو تلامس على الأقل دروس المنهاج القديم مع إعادة توزيعها بخصوص سنة تقديمها.
فالدرس الأول من السنة الأولى ثانوي إعدادي من مدخل التزكية مثلا “العقيدة الصحيحة والعقائد الفاسدة” هو نفس درس السنة الثانية من الثانوي الإعدادي من وحدة التربية الاعتقادية. ودروس الصلاة من مدخل الاستجابة للسنة الأولى من الثانوي الإعدادي هي نفسها للسنتين الأولى والثاني من وحدة التربية التعبدية للمنهاج القديم، والتغيير الملحوظ هو تقديمها في درسين بالنسبة للمنهاج الجديد وفي أربعة دروس في المنهاج القديم، وهذا ما يفسر تقليص الدروس بالنسبة لكل سنة من 40 إلى 20 في نوع من التخفيف والدمج، وكذا حذف عدد من الدروس خاصة من وحدتي التربية الصحية والوقائية، والتربية الفنية والجمالية، أما وحدة التربية التواصلية والإعلامية فتم الاقتصار فيها على درس واحد هو “العامل الإيجابي مع وسائل الاتصال الحديثة” من مدخل الحكمة للسنة الأولى ثانوي إعدادي.
– بالنسبة لمدخل التزكية: تقدم سورة قرآنية ودرسين في العقيدة في كل دورة.
– يقدم درسان في الدورة بالنسبة لكل مدخل من المداخل الأربعة الأخرى: الاقتداء والاستجابة والقسط والحكمة.
الثانوي التأهيلي:
المنهاج القديم:
–  ينفذ برنامج التربية الإسلامية بكافة المستويات والمسالك في حصتين منفصلتين في كل أسبوع، بمعدل ساعة في كل حصة.
–  عدد الدروس هو 12 إضافة إلى حصص الأنشطة والتطبيقات موزعة على وحدتي التربية الاعتقادية والتربية التعبدية بالنسبة للجذع المشترك ، و على و حدتي التربية التواصلية والصحية، والاقتصادية والمالية بالنسبة للأولى باكالوريا ، بينما وزعت على أربع وحدات بالسنة الثانية باكالوريا هي: الوحدة المنهجية والوحدة الفكرية والوحدة الحقوقية والوحدة الاجتماعية، إضافة إلى حصص الأنشطة والتطبيقات وإضافة دروس المؤلفات بالنسبة لمسلك العلوم الإنسانية.
المنهاج الجديد:
– ينفذ برنامج التربية الإسلامية بكافة المستويات الثانوي التأهيلي بجميع المسالك بمعدل ساعتين في كل أسبوع باستثناء مسالك الشعب العلمية و التقنية بالثاني باكالوريا ، و يقدم كل موضوع من موضوعات الاقتداء والاستجابة والقسط والحكمة في حصتين )ساعتين( .
– تقدم سورة قرآنية واحدة في كل سنة دراسية.
-عدد الدروس المقررة هو 20 في كل سنة من سنوات الثانوي التأهيلي بجميع المسالك موزعة على خمسة مداخل هي التزكية والاقتداء والاستجابة والقسط والحكمة، وسورة قرآنية كل سنة مع غياب الأنشطة التطبيقية الداعمة.
إذا كان محتوى ودروس المنهاج الجديد للثانوي الإعدادي لم يطرأ عليه تغير كبير مقارنة مع المنهاج القديم ، فإن المنهاج الجديد للثانوي التأهيلي تغير بشكل كبير مقارنة مع المنهاج القديم فباستثناء دروس مدخل الاستجابة التي مثلت صلة الوصل بين دروس المنهاجين القديم والجديد.
و عموما من خلال القراءة المقارنة بين المنهاجين يمكن تسجيل ما يأتي :
الإيجابيات:
ـ من الايجابيات التي تم تسجيلها في النسخة الأخيرة من منهاج التربية الإسلامية الجديد ، وتثبيت اسم المادة الذي عرفت به ألا وهو “التربية الإسلامية” عوض التربية الدينية التي أثارت جدلا واسعا وانتقادات عديدة.
ـإعطاء تعريف لمفهوم التربية الإسلامية ، الأمر الذي كان غائبا في المنهاج السابق.                       ـ ومن الإيجابيات المسجلة إعادة الاعتبار للسيرة النبوية التي هضم حقها في البرنامج السابق، وكذا اتساع الوعاء القرآني بتعدد سوره في المستوى الإعدادي ودخوله لأول مرة المستوى التأهيلي حيث ستكون فيه سور الكهف ويوسف ويس.
ـ ومن الأمور الإيجابية للمنهاج أن برنامج التربية الإسلامية ينفذ بكافة المستويات بمعدل ساعتين رغم قلتها.
ـ وتمت الإشارة في ديباجة المنهاج إلى أن الوثيقة “مشروع مراجعة وتحيين” بما يفيد قابليته للنقد والتصحيح والإكمال، وفتحه للمناقشة العامة،
ـ وتمت إزالة النقد غير الموضوعي الذي وجه إلى البرامج الحالية والذي كان في النسخة السابقة،
ـ وتم اعتماد رؤية ونسق ينتظم مفردات المنهاج بغض النظر عن الموقف منه.
ـ ومن الايجابيات تعريف المصطلحات والمداخل المؤطرة للرؤية الجديدة دفعا لأي تحريف أو تأويل سيء لمضامينها ، مع التحفظ الكبير لعدد من المدرسين و الأطر التربوية على ما اصطلح عليه بـ”المداخل” الخمس الرئيسة، أولا لغموضها، وثانيا لعدم الاقتناع بوجود مبرر تربوي يعدل عن تسمية الأمور بمسمياتها مباشرة “المكونات أو المحاور أو الوحدات (قرآن -عقيدة – سيرة – عبادات) رغم كونها متضمنة في المداخل.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق