الفضاء الإخباريمقالات

متعلمونا بين سندان التحصيل الدراسي ومطرقة الاستلاب الإلكتروني في زمن الكورونا

الأستاذ محمد العماري.
طالب باحث و مهتم بالشأن التربوي.
للتواصل [email protected]

لا يخفى عليك أيها القارئ الكريم أن التلميذ مطالب بالتحصيل الدراسي على أكمل وأتم وجه، كي يكتسب المهارات والقدرات التي تكسبه الكفاية المطلوبة، وتجعله مستعدا للانصهار في المجمتع وخدمة الصالح العام في إطار تحقيق الأهداف الفردية.
إنها بحق أهداف سامية يرومها التعليم، تجمع بين تحقيق الذات وإسعادها، مضافا إليها تلبية واجب المجتمع، ومن هذا المنظور جاءت التربية والتعليم.
إن المتعلم باعتباره محور العملية التعلمية من المفروض فيه أن يسعى للتحصيل المعرفي ليس فقط بين جدران المدارس والجامعات والكتاتيب وإنما يجعل الحياة بمختلف تلاوينها محطات للاكتساب المعرفي.
غير أن حالة الاستثناء، زمن كورونا، تكاد تغير الواقع التعليمي كله أو جله، فبعد أن أَلِف المعنيون مصطلحات حالة السواء، التي تشكل حقلا دلاليا مألوفا من قبيل: مدرسة، تلميذ، طباشير، وزرة، سبورة …ساحة، فضاءات واسعة، أقسام ، الجرس… فإذا به الآن، يتعايش مع مصطلحات أخرى تغطي أغلب الحقل الدلالي السابق وتطغى عليه، خذ على سبيل المثال: التعليم عن بعد، الحاسوب، الفأرة، التعبئة، شركات الاتصالات، مواقع التواصل الاجتماعي، التعليم الافتراضي، أقسام افتراضية، دعم عن بعد، المسطحات، المنصات …
إنه حقل دلالي أرخى ظلاله على المعلم والمتعلم، بل احلولك الفضاء وجن الليل، والتلميذ فاغر فاه في ملفات أرسلها المدرس يبتغي فهما ويروم إدراكا، لكن أنى له ذلك وقد اعتاد أستاذا يقف شامخا يربي جيلا مضحيا بالغالي والنفيس، ناكرا الذات، راغبا في بناء جيل الهمم العالية، والكفاءات المبدعة.
ليت شعري كيف يستطيع المتعلمون متابعة الدروس وفئة عريضة لا تملك التقنيات الحديثة لمتابعة التعليم عن بعد في زمن الكورونا، وهنا كان لزاما على أصحاب الشأن وكل غيور أن يسهم بما يخفف حدة هذا العجز.
في هذا السياق واستشعارا لهذه المسؤولية يتابع المتعلم دروسه عن بعد بما أوتي من معرفة بكيفية التعامل مع هذه الوسائل التي أصبح الوسيلة الوحيدة للتعليم بعد أن كانت وسائط للتعليم من باب الترف عند الكثيرين، في حالة السواء.
لقد عانى المتعلم كي يساير المعلم في دروسه، فالتحق وبدأ السير على السكة الصحيحة لكن الخطر أحاط به من كل حدب وصوب، فلا يدري خراش ما يصيد بعد تكاثرت عليه المواقع الاجتماعية وسطت عليها سطوة لا تبقي ولا تذر.
إنها سطوة من نوع خاص؛ سطوة الإدمان الإلكتروني الذي يعتبر ظاهر ة حديثة وليدة الحصر الحديث، عصر التِّقانة.
لقد تعددت المسميات والمسمى واحد؛ وتعددت الآلات والأثر واحد، إدمان من نوع خاص.
نعم، لقد ساهم هذا الإدمان في الهشاشة المعرفية، وأدى إلى ضعف التركيز، بل قد يكون سببا في الهدر المدرسي.
وهكذا فالإدمان يتمظهر في الواقع بالتغييرات السلبية التي يحدثها على الجانب التحصيلي للمتعلم؛ ولعلك تتسأل عن طرق اكتشاف هذا الإدمان؟
لقد أكد بعض الخبراء أن هذا الإدمان له حالات يعرف به، منها:
عدم قدرة المتعلم على الامتناع عن ترك هذه الوسائل، فكلما تركها إلا ووجد داعيا وهاتفا يشده بحرارة أن الزم ولا تبتعد.
الشعور بتوتر عند ترك الاستعمال.
الارتياح حالة الاستعمال.
طول مدة الاستعمال؛ خصوصا حين ينتج عنها إخلال بالواجبات دراسية وأسرية واجتماعية بل وذاتية.
تلك إذن بعض مظاهر الإدمان بصفة عامة، فالتلميذ يجد نفسه مشدودا إلى هذه الوسائل، فتلهيه عن دروسه، وتصده عن متابعة التحصيل عن بعد. وما ذلك إلا لسطوة الإغراءات الإلكترونية التي يعمد إليها الفاعلون في المجال، فيلبسونها لبس طعم حلو المذاق، مألوف المظهر، تغشاه مؤثرات قد لا يفقهها إلا خبير في الإنتاج الإلكتروني، تنتج عنها نشوة عابرة.
ولعل أخطر أثر لهذا الإدمان هو التعود على التواصل الافتراضي وتغييب التواصل الواقعي.
فلا مناص إذن من الإجماع الصريح والسكوتي على أن الإدمان الإلكتروني وكثرة الاستعمال تعود بالضرر البالغ على الجميع، خصوصا المتعلم في حالتنا هذه، ويبقى أبرزها في هذا السياق الاستثنائي: التأثير السلبي على التحصيل الدراسي.
وكل ما سبق لا يقلل من أهمية الوسائل الإلكترونية الحديثة في تحقيق التعليم عن بعد، بل يدعو إلى عقلنة استعمالها كي لا تكون وبالا على صاحبها عاجلا أو آجلا، من قبيل أضرار بدنية وأخرى نفسية وكلامهما له خطورته.
ومن ثمة كان لزاما على الجهات المختصة، أن تضع برامج توعوية بخطورة الاستلاب الإلكتروني، توجه لأسر التلاميذ أولا باعتبارهم المسؤول الأول عن فلذات أكبادهم. وتوجه للمتعلم ذاته باعتباره مسؤولا عن نفسه، يتحمل مسؤوليتها، بما حباه الله به من وعي، وبما يوجه إليه من نصائح وتوجيهات، فتتظافر بذلك الجهود وصولا إلى الجمع بين الحسنيين؛ متابعة الدروس والمحافظة على الصحة.
وقبل أن أطوي حروفي وألجم قلمي، أتركه يوجه همسة في أذنك أيها القارئ، مفادها كن عونا للمتعلم على الانعتاق من بينية لا مفر من سندانها ولا بديل عن مطرقتها، على الأقل في الوقت الراهن.
للتواصل [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق