اصدار جديد للدكتور المصطفى سليمي

IMG-20180302-WA0037

بواسطة /ذ.عبد العزيز الإدريسي

بلُغة عرَبية متَينة وماتعَة، وبعُمق معْرفي مَكين، وبأصَالة منْهجية وازنةٍ وبأمثلة علمية دقيقة وملائمة، صدر لأستاذنا العالم العامل الدكتور المصطفى سليمي كتاب جديد ، هذه السنة 2018، تحت عنوان:” اجتزاء النصوص والمفاهيم الشرعية وأثره في الواقع”، والأستاذ الدكتور المصطفى سليمي من مواليد مدينة أسفي يشغل حاليا أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين محمد الخامس بمدينة أسفي، والكتاب من منشورات “منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة”، يقع في 128 صفحة، من الحجم المتوسط، بتقديم وثلاثة مباحث وخاتمة.
تناول فيه الدكتور بالتأصيل والتحليل والتعليل والتنزيل، عِظم الأحكام الشرعية، لتعلق استقامة حال الأمة باستقامة حال الفتوى فيها، في سوقٍ متراص لمفهوم “الاجتزاء” وسياقاته ودلالاته، وبيان لعلاقة الاجتزاء بالنصوص الشرعية وأثر ذلك في الانحراف والانجراف على المفاهيم التي كانت سجايا للسلم، وجناية تحريفها على الواقع نتيجة منهج الاجتزاء، معرجا على اجلاء معالم وقواعد المنهج العلمي الرصين الذي ينبغي أن يواجه به المنهج الاجتزائي، ومتناولا بعض المفاهيم الشرعية التي نالت نصيب الأسد من طوام المجتزئين خاصة مفهوم الجهاد.
ويعتبر هذا الكتاب فاتحة “سلاسل السلم” التي يصدر منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، بإمارة أبو ظبي، وفق ثلاثة فروع، وهي:
سلسلة تصحيح المفاهيم
سلسلة أخلال الثقافة المأزومة
سلسلة ثقافة السلم
وتستند هذه السلسلة على منهجية تموقع النصوص في بيئتها الأصيلة، وبنفس الروح تموضعها في البيئات الزمنية والبشرية، لتحقيق مقاصدها الباحثة عن مصالح العباد، وهذا هو أصل وضع الشريعة الذي عكسته الثقافة المأزومة وجنت على النص وعلى مصلحة الإنسان المستهدفة.
في التوطئة التي مهد بها الأستاذ لمصنفه، انطلق من تشخيص دقيق لخطورة التجرىء في الفتوى والافتاء، والتساهل في الاجتهاد واصدار الاحكام، ذلك أن استقامة حال الأمة رهين باستقامة حال الفتوى والاستنباط فيها، وهذا الذي يفرض على الراسخين في العلم، المتبحرين في أصول الشرع، المستمسكين بالأصلين الكتاب والسنة، بذل المزيد الجهد ومضاعفته قصد تطهير بستان أحكام الشريعة السمحة المورق المزهر من أشواق التضييق والحرج.
ليدلف بعد ذلك إلى صلب الموضوع في المباحث الثلاثة، والتي مهد لها بتوطئة إشكالية حول خطورة القول أو الخوض في الشؤون العامة للأمة دون علم أو بصيرة، وجسامة الإفتاء أو الاجتهاد دون الاستناد إلى مرجعية علمية ومنهجية واضحة المعالم، منضبطة في استنباط الأحكام تأصيلا وتفعيلا، ذلك أن المجتهد إنما هو مُوقع عن رب العالمين، وقائم في الأمة مقام خاتم النبيئين عليه الصلاة والسلام، على حد تعبير إمام المقاصد أبي اسحاق الشاطبي.
ومن الأسئلة الإشكالية التي أوردها الدكتور المصطفى سليمي: ما التأصيل اللغوي والاصطلاحي لمفهوم “الاجتزاء”؟ وما خطورته؟ وهل جرى في استعمال السلف والمتقدمين؟ وكيف السبيل إلى الحد من آثاره؟ وماهي معالم المنهج السليم في معالجة هذه الظاهرة الخطيرة علميا وعمليا؟
في المبحث الأول قارب المصنف مفهوم” الاجتزاء ” واطلاقاته، فبعد جولة لغوية ومفهومية في المظان اللغوية والمصادر الأصولية والتفاسير القرآنية، أكد الدكتور أن هذه المفهوم لم يستعمل بمبناه من قبل المتقدمين وإنما استعمل بمعناه وبدلالاته الكثيرة :( القطع-البتر-الانبتار-الاقتصار- الاطراح-التفكيك-…)، ليعرف بقوله:” الاجتزاء هو مسلك في التعامل مع النصوص الشرعية، يعمد سالكه إلى بتر النصوص بعضها عن بعض من جهة الاستدلال والتعليل ، أو الاحتكام والتنزيل، والاكتفاء ببعضها واطراح بعضها الآخر، أو قطعها عن سياقها الجزئي الخاص، أو الكلي العام، لتأييد حكم مسبق، او تقليدا لسابق، أو هوى مبيت، أو شبهة عارضة أو أصلية” ص46.
بعد ذلك انتقل المؤلف في الفصل الثاني إلى تقديم نموذج من الاجتزاء الانتقائي، والمتعلق بقضية شائكة ومعقدة وحيوية، وهي قضية ” الجهاد” سواء تعلق الأمر بنصوصه أو مفهومه، حيث نص على أن القول في أحكام الجهاد مختلف وليس على وزان واحد، مستندا في ذلك قول الشيخ العلامة المحفوظ بن بيه:” جهاد الطلب كان في وقت لا توجد فيه معاهدات دولية، ولا حدود إلا تلك الثابتة بقوة السلاح وبعد المسافة، ولم تكن فيه إمكانية إيصال الدعوة لأكثر الأقاليم دون إسناد حربي، ولم تكن أسلحة نووية فتاكة يمكن أن تقضي على الجنس البشري، ولا أنواع الأسلحة النارية التي تدمر شعوبا بأسرها وتشردها” تنبيه المراجع ص61.
ثم ناقش قضية تضييق مفهوم الجهاد حيث قصره البعض على القتال فقط، بيد أن الدكتور نقض هذا القول موسعا مفهوم الجهاد بالاستناد إلى مجموع النصوص الواردة في هذا السياق، وكذلك نقض القول بجواز قتل نساء وذراري الحربيين، لأنه قول مجْتَزأ من سياقه ونسقه، فمن الخلل والاخلال ترك الأحاديث النبوية المتواترة المعنى في هذا السياق، ثم يتم العمد إلى نص واحد ظني، فلهو هذا عين الاجتزاء.
في الفصل الثالث والأخير قدم الدكتور المصطفى سليمي رؤيته في معالجة معضلة الاجتزاء من خلال منظومة من المعالم، أحسبها والله أعلم قمينة بتفكيك بينة هذا الخطاب سواء أكان غاليا أم متسيبا، هذه المعالم في نظر الأستاذ تستند إلى القواعد المنهاجية في التعاطي مع النصوص الشرعية، وهي:
العموم والخصوص.
الاطلاق والتقييد.
التنزيل على حالين.
التنزيل على زمنين.
مراعاة السياق.
التوفيق بين الجزئي والكلي.
كل قاعدة من هذا القواعد، أصل لها الدكتور باختصار، لأن الغرض عنده هو بيان وجه الاستفادة منها في مواجهة ظاهرة ” الاجتزاء” وبيان طرق الرد عليها، حذرا وتحذيرا من الوقوع فيها، وذلك من خلال إيراد بعض الأمثلة والنماذج، ونقتصر في هذا المقال التعريفي بالكتاب على مثال واحد، ولمن أراد الإفادة والاستفادة فليرجع إلى الكتاب:
: “حمل المطلق على المقيد” وهي قاعدة نفيسة في اجتناب الوقوع في ” الاجتزاء”، لأنها تضمن إعمال الأدلة بدل اهمالها أو ابطالها، ومن المسائل الشائكة في عصرنا مسألة “الولاء والبراء” ذلك أن النهي عن مولاة غير المسلمين مقيد وليس مطلق، بحيث إن النصوص الواردة في النهي عن مولاة غير المسلمين وإن كانت مطلقة غير أن شواهد السيرة والتاريخ ، بالإضافة إلى بعض النصوص الشرعية قد قيدتها، قال الشيخ فريد الأنصاري:” فتقييد نصوص الشدة على الكفار بظروفها، والانبساط إليهم في المعاملة، وبدؤهم بالسلام والكلام والتهادي، هو الذي جرى به العمل منذ عهد الصحابة والتابعين- وهو الذ ي عليه جمهور الفقهاء-، فقد قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى:”قيل لابن عيينة :”هل يجوز السلام على الكافر؟ قال : نعم، قال الله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذيم لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين”…ولذلك وجب حمل المطلق على المقيد و بناء العام على الخاص، برد النصوص الواردة في مطلق” الولاء والبراء” إلى الثوابت الأخلاقية في القرآن، من أمهات الفضائل التي لا تقبل النسخ ولا التبديل.
ختاما، هذا مقال تعريفي لكتاب شيخنا الدكتور المفضال سيدي المصطفى سليمي، كتبته على عجل، ومن أرادة التوسع فعليه بالكتاب فهو نور لأولي الألباب، ويفتح للشباب، بابا وألف باب، للأخذ بناصية العلم والأسباب.
والحمد لله رب العالمين
عبد العزيز الادريسي.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق