قضايا اللغة العربية

موسم النهوض باللغة العربية

       فيالوقت الذي مازالت اللغة العربية في وطننا تعيش تحت وطأة التهميش والاحتقار وأحيانا المحاربة من طرف مدبري الشأن العام الإداري والثقافي والإعلامي واللوبيات المتنفذة التي غيرت وجهة انتمائها، حيث لم يكن الاعتراف برسميتها في النص الدستوري إلا محاولة لتطمين قطاعات واسعة من الشعب مازالت تؤمن بعروبتها، وخير الأدلة الغياب المستمر لأكاديمية اللغة العربية التي وعد بها المغاربة في التصريح الحكومي وقبل ذلك في النصوص القانونية المختلفة، تأتينا من بلدان الخليج ومضات من الآمال تنعش فينا روح الانتماء. وسند هذا الأمل القناعة التي غدت تتولد لدى قطاع واسع من أصحاب القرار في الوطن العربي بجوهرية الانتماء الحضاري في بناء الأمة، ودور المكون اللغوي في الحفاظ على الهوية وتمكين الإنسان العربي من ولوج مجتمع المعرفة والتنمية، خاصة بعد دروس الربيع العربي وعودة روح الأمة التي غيبها الاستبداد لعقود طويلة.

فقد احتضنت مدينة الدوحة القطرية في الأسبوع الماضي “منتدى النهوض باللغة العربية” في نسخته الأولى بمشاركة العديد من رؤساء مجامع اللغة العربية والباحثين والأكاديميين وممثلي بعض مؤسسات المجتمع المدني. وإذا كانت ساحة العالم العربي قد عرفت وتعرف العديد من الندوات والمؤتمرات والملتقيات التي تصل أحيانا حد التخمة دون أن يكون لها أثر في تغيير واقع الحال، فإن أهمية المنتدى يكتسبها من الفكرة المؤسسة للمشروع التي تقوم على تنسيق الجهود العربية المختلفة رسمية كانت أو أهلية وإيجاد آلية لجمع المشتت في جهات الوطن العربي ومؤسساته. وتتجلى هذه الأهمية في ملامح عديدة:

1. الدور المحوري لدولة قطر الذي غدا بينا وواضحا في رسم السياسة العربية والعالمية مما يشكل قوة دفع للمشروع، خاصة إذا علمنا بالقرار الرسمي الذي بدأ تنفيذه بتعريب مناهج التعليم في المؤسسات الجامعية القطرية، مما يؤكد أن الأمر لا يتعلق بنشاط إشعاعي عابر وإنما باستراتيجية للدولة المحتضنة.

2. الإشراف المباشر على أعمال المنتدى ومتابعتها من قبل حرم أمير قطر الشيخة موزا بنت ناصر مع ما يحمله ذلك من مساندة حقيقية ورسمية لمشروعه وضمانة لتنفيذ مقتضياته ونتائجه بله واهتمام بنتائجه وتوصياته.

3. المشاركة الواسعة للمجمعيين ممثلين في رؤساء جل مجامع اللغة العربية واتحادها، مما أتاح إخضاع جهودهم لمجهر التقييم والمساءلة من طرف الباحثين والأكاديميين والشباب.

4. حضور وازن للباحثين وممثلي منظمات المجتمع المدني في الوطن العربي وأوربا وهو ما مكن من تبادل الهموم والخبرات.

5. الاقتناع العام لدى المشاركين بضرورة مأسسة الفعل الدفاعي عن العربية بما يمكن من تجميع المجهودات والتنسيق فيما بينها وهو ما أثمر توصية البيان الختامي بإنشاء

مجلس أمناء وأمانة عامة للمنتدى بغية تفعيل التواصل بين المبادرة القطرية والمجامع اللغوية في المنطقة.
لقد شكل المنتدى بحق فرصة لتقييم مسار السؤال اللغوي في العالم العربي وتوضيح صورة التماثل والاختلاف بين الأقطار العربية وأجوبتها المتعددة. فقد غدا بينا أنه بعد مدة تكاسل أصحاب القرار السياسي أو تجاهلوا المسألة اللغوية مما أدى إلى ضياع الهوية وقيم الانتماء الوطني لدى أبناء الأمة، بدأت المبادرات تتوالى في محاولة لتدارك الخلل واسترجاع جوهرية العربية في بناء الذات الوطنية.

فقبل مدة أطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة مشروعا لتعزيز الهوية الوطنية من خلال حملة “لغتنا هويتنا” المرتكزة على تعزيز وجود العربية في الفضاءات العامة واعتماد اللغة العربية لغة رسمية للتداول والتعاملات والمراسلات الداخلية والخارجية والتقارير ونشر الثقافة الوطنية وتعميمها على الآخرين واتخاذ الإجراءات المناسبة للحد من ظاهرة استخدام اللغات الأجنبية في الشارع العام. كما شهدت المملكة العربية السعودية إنشاء “مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية” بالرياض الذي حددت مهامه في المحافظة على سلامة اللغة العربية وإيجاد البيئة الملائمة لتطوير وترسيخ اللغة العربية ونشرها والإسهام في دعم اللغة العربية وتعلمها وتقديم الخدمات ذات العلاقة باللغة العربية للأفراد والمؤسسات والهيئات الحكومية:

إن المبادرات المتكررة التي بدأت تتناسل في الوطن العربي مستفيدة من مناخ عودة مفهوم الأمة باعتباره مفهوما جوهريا في تشكيل المشترك الجمعي، تثبت أن المسألة اللغوية هي أكبر من مجرد سجال إيديولوجي أو اختيار سياسي يضمن التوازنات الاجتماعية، بل أصبح الاقتناع يتزايد بأن المسألة تتعلق بوجود الإنسان العربي وهويته التي بدأت تتآكل وتنمحي من الساحة بفعل الغزو اللغوي الأجنبي والحروب المتكررة باسم الخصوصية الوطنية أو الحداثة. لذا فالمبادرات المختلفة ، وعلى رأسها منتدى النهوض باللغة العربية، هي خطوات على الطريق الصحيح:

فهل سيقتنع سادة القرار السياسي والاجتماعي عندنا بالأمر قبل فوات الأوان؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق