مع الباحثين

خصوصيات القصص القرآني

الأديب الناقد الدكتور عبد السلام أقلمون

في حوارمفتوح حول:

 خصوصيات القصص القرآني

خصوصيات القصص القرآني

الدكتور: عبد السلام أقلمون

تاريخ الازدياد:13/09/1969

[email protected]  بريد إليكتروني:

الشواهد المحصل عليها:

ـ دكتوراه الدولة في الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس الرباط 2002

ـ دبلوم الدراسات العليا في الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس الرباط 1995

ـ شهادة استكمال الدروس في الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس الرباط 1992

ـ الإجازة في الآداب 1991

مهمات علمية وإدارية:

ـ أستاذ باحث بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسير، جامعة ابن زهر، أكادير.

ـ مسؤول ماستر “هندسة وتدبير التنمية الاجتماعية”، بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير.

ـ أستاذ متعاقد بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، جامعة ابن زهر، أكادير.

ـ رئيس شعبة اللغات والتواصل بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، جامعة ابن زهر، أكادير.

ـ رئيس فريق البحث والترجمة في التدبير والتجارة بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، جامعة ابن زهر، أكادير.

ـ رئيس” منتدى التواصل” بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، جامعة ابن زهر، أكادير.

منشورات ومشاركات علمية

صدر له:

ـ كتاب “النص الروائي والتراث السردي” دار الأحمدية البيضاء 2000.

ـ كتاب “في رحاب السرد،قراءة في البنيات والدلالات الروائية” ربانيت الرباط 2008.

ـ كتاب:”الرواية والتاريخ، سلطان الحكاية وحكاية السلطان” دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت،2010.

ـ مجموعة من الدراسات في الصحف والمجلات الوطنية والدولية.

ـ شارك في ندوات ومؤتمرات علمية دولية حول: الأدب والدراسات الإسلامية والاقتصادية.

اهتمامات علمية

ـ البحث في مجالات : القرآن الكريم.تجديد الفكر العربي.الحوار والتواصل الحضاري.قضايا الترجمة والتعريب.

قضايا اقتصادية.قضايا التنمية.

السؤال 01: عرف عنكم انشغالكم بالإبداع الأدبي تنظيرا وممارسة ونقدا، فكيف تفسرون لنا الظاهرة الأدبية لدى الإنسان؟

         الأدب جزء من الإنسان، والإنسان ظاهرة أدبية بمعنى ما، فهو إما ينشئ أدبا أو يتلقاه، ومهما كانت مستويات الإبداع فكل إنسان بطريقة ما، جرب يوما أن يكون من أهل الأدب. لكن لا يرتقي التعبير عند كل إنسان إلى مستوى “أدب”، إلا بمراعاة جملة من الشروط الفنية تجعله فوق الكلام العادي، فليس كل كلام يصدر عن إنسان متكلم يعد أدبا؛ بل هو عملية مفكر فيها بعمق، ويتم تجليتها وفق وسائط لغوية فوق تواصلية، أي بالإضافة إلى أدائها لوظيفة تواصلية، تؤدي وظائف جمالية. وهذا شيء صار موضوع تنظير واسع عالميا.

         المهم في هذا السياق، أن الحاجة إلى الأدب حاجة إنسانية صميمة، وذلك هو الذي أوجد في الاجتماع الإنساني فئة من الكتاب والمبدعين، تنتخبهم ظروف وأقدار خاصة ليصيروا أدباء، وهم عند ذلك المستوى ألسنة زمانهم، والصفوة المعبرة عن إحساس غيرهم؛ فكأنهم يترجمون الحياة مرة أخرى وقد كانت إحساسا فطريا، لتصبح إحساسا فنيا قابلا للوصف والتدقيق والتأمل.

         لذلك عندما أتحدث كثيرا في قضايا نظرية تخص الأدب، وعندما أحس بعدم القدرة على الوفاء بتعريف شامل للأدب، كنت أردد باستمرار: ” الأدب هو علم الأشياء التي لا علم لها”.

         فأيّما شيء لا تجد له علما مخصوصا يحده، ويدرسه، ويكشف أسراره، فاعلم أنه مرشح ليكون موضوعا للآداب؛ كأسرار النفس، وألغاز الحياة اليومية، وأشواق الروح، ومخاوفها…الخ. فتلك كلها عوالم باطنية، لا تنكشف إلا بما يفيضه الأدب في مواضيعها من تأمل، وتأويل، وقراءة؛ فتنجلي بشكل ما. ورغم أن هذه التجليات يكون فيها شيء من رؤيا صاحبها، وخصوصياته … إلا أن الأديب الحق ينزع بالظواهر إلى مرتبة تتجاوز حدوده الخاصة، لتلتقي بالمساحات المتراحبة للإنسان، كل الإنسان.

و قديما قال زهير بن أبي سلمى:

         لسان الفتى نصف ونصف فؤاده    فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

فانظر كيف عرّف الإنسان بكونه خلاصة الجمع بين اللسان والفؤاد، وهما وسائل تجلية الإنسان الجوهر؛ في حين عَدّ الإنسان المظهر مجرد صورة اللحم والدم. ففرق بين الصورة التي تحمل الإنسان، والحقيقة التي تسكن هذه الصورة. فهذه الحقيقة الخفية، هي المطلب الدائم الذي تسعى كل التجارب الأدبية إلى فك بعض من ألغازها.

السؤال 02: إذا نظرنا إلى الأدب باعتباره تعبيرا عن أحوال النفس ومواقفها وأشواقها ومعاناتها فما هي المسؤوليات التي يمكن ترتيبها على هذا التعبير؛ أم أن المعبر في الخطاب الأدبي متحرر من كل مسؤولية. ما رأيكم في ذلك ؟

لا يمكن لأي قول، أو فعل، أن يتحلل من المسؤولية، بالمفهوم الواسع للمسؤولية، ولا حتى بالمفهوم القانوني. وإذا صارت الأقوال متحررة من كل مسؤولية فتلك مقدمة لتحرير الأفعال أيضا، وعند ذاك يكون العبث سيدا. فمتى جاز للناس أن يقولوا ما يشاؤون، جاز لهم أن يفعلوا ما يشاؤون أيضا. ذلك غير ممكن فالمجتمعات تسيج حدود الأقوال والأفعال بتعاقدات اجتماعية. وهذا موضوع تدافع سياسي وفكري وإديولوجي.

 لكن الإشكال الكبير والمحاذير المعتبرة في هذا السياق، هي التي يمكن التعبير عنها في سؤال من نوع: ما المقصود بالمسؤولية، وما هي الحدود المستحبة لتسييجها؟ وهنا تختلف الأنظار، والأفهام، ما بين مُضيّْق وُموسّع. فتجد البعض يجعل الرقابة شرطا على كل تعبير، والحجر فوق كل تفكير، وعنده وجهة نظر واحدة قائمة في تصوره وتمثله للعالم، أو ناتجة عن قراءته الخاصة أو تأويله الذاتي للحق والخير والجمال، أو تبنيه لخطاب جاهز عن هذه القيم. وكل من خالف هذه التصورات نبذ من قبله واستحق من العقاب. ولا يخفى أن المجتمعات القهرية والأنظمة الفاشية تتحجج بالقوانين الظالمة، للحجر على الفكر والتعبير. ويصاغ الناس، بسبب ذلك، في قوالب متشابهة، ليصبحوا كائنات مشوهة، تردد فقط الأشياء التي ترضي المتسلطين. ونذكر مثلا أن أمريكا اللاتينية والعالم العربي قبل الربيع العربي، كانت من بين أكثر الأمكنة في العالم حجرا على الفكر والإبداع.

         لهذا فنحن مع المسؤولية الرحيبة والرحيمة، في الوقت نفسه، خصوصا في مجال الأدب؛ حيث، تلتبس حدود الواقعي والمتخيل، والتاريخي والمحتمل. وهي حدود لا يدركها إلا نسبة قليلة من العارفين، أو نسبة كثيرة من المؤمنين بنسبية القيم. فإذا جاءهم من العلم ما لا قبل لهم به، حملوا ذلك على النسبية التي تجيز الخطأ والصواب. والحاجة ماسة إلى تأمل رشيد لتقريب الأفكار وتدبير الاختلاف، حتى يتمكن الأدب من أداء دوره بكل حرية. فالحقيقة التي ننشدها ليست بالبساطة التي نعتقدها، ولا باليسر الذي نتوهمه؛ بل هي نفسها موضوع الأدب وروحه وجوهره، وهي إحدى الأسئلة التي مافتئت النصوص الأدبية تعمل على تفكيك ألغازها، والتماس السبل لفهم طريقة ترميزها. فثمة شفرات تاريخية واجتماعية وفنية وفردية وجماعية … تتلبس بمختلف المظاهر الأدبية، فيحتاج تفكيكها إلى عمل دؤوب وتقدير سابق لقيمة الأدب وأهميته، وأن لا يقرن بفضول القول التي تكون شيئا من اللغو والهزل اللذان لا طائل منهما؛ بل هي جد كامل، وعلم قائم، مهما توارى في أجناس وأنواع من صنوف القول والتعبير والبيان.

      فكل حكم يصدر بصدد نص أدبي يسهل تحويله إلى محاكمة، لأن الاتفاق في توصيف الأحوال غاية لا تدرك، وكل واحد يقرأ العالم من الزاوية التي يوجد فيها تاريخيا، واجتماعيا، ونفسيا. لذلك وجب التأكيد على أن الحرية في الأدب شرط ضروري لإنهاضه كي يضطلع بوظيفته الاجتماعية البارزة، والتي أجمع العلماء والنقاد على أنها تطهير المجتمع من قيم الشر والقبح، وإعلاء قيم الخير والجمال.

السؤال 03: يذهب مفكرون إلى كون الإبداع الشعري مقدم على الإبداع القصصي في الثقافة العربية الإسلامية، فهل تسندون هذا الاتجاه أم تعارضونه؟

يعد هذا من الوهم الكبير المسيطر على مكونات التاريخ الثقافي العربي، فكثير من الناس وضمنهم مفكرون وباحثون، يعتقدون، دون وجه حق، أن الثقافة العربية بحكم انتمائها الإسلامي مدعوة للولاء للشعر، لأنه جزء من طبيعتها وبيئتها، بل يسيطر وهم قديم مفاده أن الإسلام نفسه متين العلاقة بالشعر 

 والواقع أن هذا الرأي يحتاج إلى الكثير من الفحص، وإلا فإن الشعر كان متجذرا في الثقافة العربية قبل مجيء الإسلام. فلما جاء الإسلام بمعجزة القرآن، وهو معجزة متعددة المناحي في قالب لغوي، وليس مجرد معجزة لغوية. فاجأ العرب بطريقة نظمه وصياغته. فحروفه وتراكيبه وجمله… هي من المخزون اللغوي العربي. ولكنه في جوهره وحقائقه ومدلولاته ومعانيه…شيء لا قبل للعرب به. في نهاية المطاف يعد القرآن نثرا بعيدا عن الشعر. وقد كان له الفضل الكبير في تفعيل النثر، وتجديد الخطاب اللغوي، بما جعله تراكيب سمحة وبينة. بعيدة عن التعقيد والسجع، والمبالغات غير المحدودة في التدبيج والتحبير اللفظيين. إلى درجة تفرغ المتن من محتواه. ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم، ينهى عن التحذلق في الكلام، واعتماد سجع الكهان، وغير ذلك من التعميات اللفظية المناقضة لمفهوم البيان.

في مقابل ذلك كان احتفال العرب والعربية بالشعر كبيرا، وكانوا يسمونه صناعة، ويقيمون له أسواقا لتسويق منتوجهم اللغوي المصنوع، وكل قبيلة تعلن ميلاد شاعرها بطقوس واحتفالية كبيرة. كل ذلك كان في المجتمعات العربية قبل مجيء الإسلام. يقول ابن سلام الجمحي: –والقولة نسبت أيضا إلى عمر رضي الله عنه-  ” كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه”. فالشعر إذن هو الذي كان عماد الثقافة العربية وصرحها الكبير. لكن القرآن كان بعيدا عن الشعر. وعجيب حقا أن يسود هذا الوهم الذي يفيد متانة العلاقة بين الإسلام والشعر !

والحقيقة أن متأمل القرآن الكريم لن يجده في أي مقام من مقاماته يحتفل بالشعر أو يعتد به؛ بل إن لم يرد الحديث عنه في سياق الذم والقدح، لا يرد مشمولا بالعطف والمدح، وإن كان فاستثناء من عموم مرجوح:

         (والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون. إلا الذين آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ). الشعراء 224-227.

وأما النبي صلى الله عليه وسلم، فمحرم عليه الشعر بتشديد بَيِّن: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له، إن هو إلا ذكروقرآن مبين، لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ)يس، 69-70.

         لكن، عندما يتعلق الأمر بالقصص فهذا اتجاه القرآن وتوجهه، ولأجله سمي القرآن ذكرا. والله يقص، وأنبياؤه يقصون. فالأصل إذن أن تكون الثقافة العربية والإسلامية متينة بالقصص والروايات، وليس بالأشعار.

         وأحب، في هذا السياق، أن أنبه إلى شيء مركزي في تعريف القصة القرآنية. فهي تعتبر “ذكرا” وليست “تذكّرا”. ذلك أن ساردها هو الله. وهو سبحانه غير مرتبط بزمان، فهو لا يتذكر، لأن لا شيء يغيب عن علمه، ماكان، وما هو كائن، وما سيكون. العالم بكل مخلوقاته “قصة” إلهية يعرف الله مبتدأها، ومنتهاها. وكل مجرياتها هي من أقداره، وتحت إحاطة علمه. وفي المقابل لا يجوز أن تسمى قصص الإنسان وحكاياته “ذكرا”، إلا إذا كان من يحكيها خلق شخوصها وعوالمها، وليس تخيّلها، وهذا غير مقدور إلا لله. ومن ذلك إجراء الله على لسان عيسى قوله:”والسلام علي يوم ولدت، ويوم أموت، ويوم أبعث حيا”. فعيسى بعلمه الذاتي لا يعرف وهو في المهد كيف كانت سلامته ميلادا، ولا كونه سيسلم من الموت، ولا كونه سيسلم عند البعث. فهذه كلها فوق علمه، وهي من علم خالقه، ومن قدرة خالقه الذي سلمه عند مولده، وكتب له السلامة عند موته، ويكتب له السلامة عند بعثه بفضله ومشيئته. فلذلك وجب التنويه أننا كلما تحدثنا عن القصص القرآني فنحن نتحدث عن ذكر حيث: “الحكي” و “المحكي”،معا، من خلق الله، وقول الله، وكلمة الله.

السؤال 04: ما هي مميزات الظاهرة القصصية في الخطاب الإنساني؟

سبقت الإشارة إلى أن القص شيء مرتبط بالإنسان، وكل إنسان في نهاية المطاف عبارة عن قصة. ولو طلبت من رجل معمر عاش مائة سنة أن يحكي لك قصته وما شاهده وعاشه، سيحكي لك ذلك كله في ساعات معدودات. وسوف يستعمل أبرز تقنيات الحكي دون أن يكون واعيا بذلك. بل الأغرب أن ليس كل ما سيحكيه سيكون صحيحا؛ بل هو صحيح من وجهة نظره وبحسب نسبة تذكره، وقدرته على عدم الخلط بين الوقائع… فعادة عندما تُستقى الأحداث من الذاكرة يقع الكثير من الالتباس غير المحسوس. وربما تجيء بغيره، فيحكي لك نفس الوقائع بطريقة مغايرة، ومن وجهة نظر مختلفة. هذا هو قدر البشرية. لذلك انتهى المطاف بالإنسانية إلى إبداع القصص من الخيال، لأن الأمر في نهاية المطاف يرتبط بوظائف القص، وطرق الحكي، وموضوعاته. وهذه كلها يستعان عليها بالواقع والخيال.

ولكن علينا أن ننتبه إلى أن القصة من منظور بشري، ترتبط بطبائع كتابها وقدراتهم وتصوراتهم للعالم، ومدى تمكنهم من أدوات الحكي، وأساليب الكتابة… وهذه كلها مؤثرات تنعكس على الخطابات القصصية. وتبدأ ظاهرة الحكي الإنساني من قصص الجدات إلى الروايات العالمية. ولكل منها أهداف خاصة.

وباختصار يمكن القول إن الإنسان بحاجة إلى القصص، لأنها فرصته الإبداعية للتغلب على جريان الزمن. فالسرد يسمح بتوقيف الأحداث نصيا لتصبح قابلة للفحص. وبدون ذلك سنعيش زمنا منسابا، سيجري بنا دون أن نتوقف قليلا لنفهم أحداثنا ووقائعنا. ولا يخفى أن ضمير الجمع هنا يعنى البشرية كلها. فمن خلال جزئيات الأحداث نفهم كليات المصائر.

السؤال 05: هل لكم أن تبسطوا للقراء أهم المقاصد التربوية للسرد القصصي القرآني، وكيف يمكن ربط ذلك بتوسع القرآن الكريم في توظيفه. 

         عندما تحدثنا عن علاقة القرآن بالشعر وجدناها علاقة غير متينة، لكن لا نبالغ عندما نقول إن القصة تمثل جوهر القرآن ومكونا بارزا من مكوناته؛ بل أهم هذه المكونات. ولعل القرآن سمي “ذكرا حكيما”، بسبب ما تضمنه من حكايات الأنبياء وقصصهم، يذكر الله بها نبيه الخاتم والبشرية جمعاء، وما يستنبط من كل ذلك القصص من حكمة واستبصار. يمكن القول إن المقاصد التربوية للسرد القصصي هي كل القيم الإيجابية التي بشر الأنبياء بها وتمثَّلوها ومثَّلوها. وصاروا أبطالا لهذا القصص، ومن خلالهم تجلت هذه القيم ونتائجها واصطبغت بصبغة إنسانية لتصبح ذكرا فعليا، يناسب كل إنسان. لأن الذين تمثلوا القيم الإسلامية عبر تاريخ البشرية هم من الناس، وصفاتهم وأوصافهم ككل الناس، فصار الاقتداء بهم ممكنا؛ وفي المقابل كل الذين عارضوا الأنبياء وناوءوهم تمثلوا قيما سلبية ومثلوها وصاروا أبطالا مزيفين، بالنفوذ والجبروت تارة، وبالمال والغطرسة أخرى. فالظلم، والغل، والحقد، والضغينة… وكل أنواع الشرور المستعرضة بواسطتهم ومن خلالهم، تبين مآلا مناقضا، ونتائج معاكسة لمصائر الأنبياء والصالحين. وهؤلاء الأشرار لديهم صفات الناس ومواصفاتهم، فلذلك كان التحذير من اتباعهم. لأن الدوافع التي حملتهم على ركوب مسارات الظلم والعدوان والإساءة والفساد، قائمة في كل زمان وفي كل مكان، وإذا تمت الغفلة عن تلك الدوافع حملت كل واحد على مثل ما كان عليه هؤلاء وأفضت بهم إلى نفس العواقب السيئة. وهذه الدوافع معدودة ومحدودة كحب الشهوات، وحب الرياسات والتسلط، وحب المال وجمعه وكنزه والاستئثار به، وكفران النعم وجحود المنعم بها، والتكبر والغطرسة والرّياء…كلها عوامل سلبية تشكل جزءا من “الذكر” الذي  يحمله القرآن.

         عندما يتعلق الأمر بالقصص القرآني نحن إزاء معادلة كبرى تفيد أن اكتشاف الآني واللاحق من أقدار البشرية يتم من خلال معرفة السابق وفهمه وتحليله واستنباط الدروس المناسبة منه. فهو وُجد للاعتبار والتدبر، ويفيد في استخراج القوانين الاجتماعية المتحكمة في النهوض والسقوط، والنجاح والفشل، والتطوروالتدهور، ومصائر الجماعات والأفراد، إيجابا وسلبا، وبيان الارتباط الوثيق بين المقدمات ونتائجها في الأفعال الإنسانية، ثم بيان كمون الألطاف الإلهية خلف كل الأسباب، ورب أشياء تظهر لنا في الحياة سلبية فتكون حكمة بالغة منحجبة في تلافيفها، كما علمنا الله بواسطة الخضر في درسه النموذجي لموسى. فمن أهداف “الذكر” عدم الإضرار بهذه القدرة الاستنباطية اللامتناهية.

          يعتبر القصص في القرآن موضوع تقدير كبير واحتفال هام. وهو  يشكل معادلا اجتماعيا للآيات الكونية الأخرى التي شكلت إطارا للذكر والتذكر والتدبر والتفكر. فجزء كبير من الذكر الذي ينبغي تذكره وتدبره هو هذه الحكايات الكثيرة التي استعرضها القرآن الكريم. وهو يستعمل الذكر بمعنيين:     المعنى الأول، أن يكون ذكرا:

-(ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا ) الكهف، 83.

-(كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا ) طه،99.

-(ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين ) الأنبياء، 48.

ككل القصص الذي ذكره القرآن الكريم، تصبح حكاية ذي القرنين جزءا بانيا لمعاني القرآن، فهي جزء من الذكر العام. وهو ما أكده القرآن لنبيه مبينا أن الذكر هو عطاء وهبة إلهيين، فقد وُهِب الرسول هذا الذكر من قبل الله. وما كان من قبل الله، فهو هبته وكلمته وأمره. قال زكرياء وهو في أتم وعي وإدراك بقدرة الله الغالبة وغير المحدودة: ” فهب لي من لدنك وليا”. فأجابه الله إلى طلبه بكلمته التي لا يعجزها شيء:” كذلك قال ربك هو علي هين”. ومثله عيسى، ومثله العلم الذي أوتيه الخضر عليه السلام … ومثله القصص التي أوتيها محمد صلى الله عليه وسلم، فكل ذلك من لدن الله. والذكر الذي أمر محمد(ص) بتبليغه في القرآن هو من لدن الله، وليس من لدن محمد (ص) نفسه كما يدعي بعض الباحثين. ومثله في ذلك مثل الأنبياء السابقين، ليس لهم إلا التبليغ عن الله ما يُذكِّر به عباده من قصص، وليس تأليفها من عندهم. لقد أوتي موسى وهارون :

  • الفرقان: ما يفرقون به بين الحق والباطل، ويسقطون به دعاوى فرعون وأتباعه.
  • ضياء: ما ينير الطريق ويمنع التيه والضلال.
  • ذكرا: ما يتذكر به الإنسان ويسلو، وما ينبغي فعله وما ينبغي اجتنابه، وما ينبه من الغفلة .

   وكل ذلك تضمنه القرآن، فهو ذكر جامع لكل ذكر سواه. فقد أوتي موسى وهارون ذكرا في التوراة، ولكنهما صارا بدورهما ذكرا في القرآن. لذلك كان القرآن ذكرا جامعا مصدقا ومهيمنا على ما سبقه من ذكر. فالقصص الحق يؤخذ من القرآن الكريم وليس من غيره من الكتب التي حرفت.

          المعنى الثاني، أن يحدث ذكرا:

     -(وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا، وصرفنا فيه من الوعيد، لعلهم يتّقون، أو يحدث لهم ذكرا ) طه، 113.

    – (قال فإن اتبعتني، فلا تسألني عن شيء، حتى أحدث لك منه ذكرا ) الكهف، 70.

فالقرآن يشتغل وفق آليات توليدية تستهدف أن يؤدي ما ورد فيه من الوعيد إلى شيئين بارزين ومتكاملين: “التقوى”، و”إحداث الذكر”. إحداث الذكر في أحد معانيه يرتبط بالاعتبار، وحسن الفهم، واستيعاب الدرس من القصص، باتباع سبل الهداية؛ ومن الوعيد لاتقائه.

         وفي قصة الخضر مع موسى يظهر المقصود بإحداث الذكر جليا. موسى كليم الله ونبيه أوكلت إليه مهمة خطيرة مزدوجة:

         -هداية بني إسرائيل وإخراجهم من ظلم فرعون وجبروته لبناء دولة العدل والأمن؛

         -إفادة المسلمين بقصته واستنباط الدرس المناسب منها، بعد أن صار ذكرا في كتاب المسلمين يعتبرون بسيرته، وسيرة خصمه فرعون.

         وموسى نفسه صار عاجزا أمام مجريات الأحداث بعد أن خرجت عن نسقها الطبيعي، حيث يكون الخير نتيجة لمقدمة خيرة، ولكن علم الله الأكبر والأشمل، الذي أوتيه الخضر، يبين أن النتيجة لا تكون دائما من جنس المقدمة، لأن الأسباب الخفية قد تكون قدرا رحيما في مسببات يكون ظاهرها شرا. وهي القاعدة التي أكدها القرآن الكريم، وجعلها كلية بانية للاعتقاد الذي يحسن الظن بالله ويتوق إلى رحمته الدائمة والممكنة أيضا حتى في ما يبدو شرّا تكرهه النفس: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) البقرة، 219.

       (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) النساء، 19.

         طلب الخضر من موسى أن يملك نفسه أمام الحوادث غير المألوفة، وأن لا يتسرع حتى يحدث له ذكرا يُفهمه جوهر الأحداث ويستنبط له، ما خفي من ألطاف في طي المصائب والشرور، لكن موسى لم يتحمل ذلك القدر من الظلم الظاهري، والشر الظاهري، والعدوان الظاهري. لكنه في علم الله الذي عُلِّمه الخضر كان عدلا جوهريا، وخيرا جوهريا، ورحمة جوهرية. وذلك لم يستطع موسى عليه صبرا، حتى أحدث له الخضر منه ذكرا، وكشف له ما خفي عنه من حكمة. كان الفراق حتميا بين الخضر وموسى، لأن المحطات الثلاث كافية لإحداث الذكر بنماذج محدودة ولكنها منفتحة على نتائج غير محدودة، أجملتها القاعدة القرآنية في الرضى بأقدار الله.

المحطات الثلاث كاشفة لألطاف الله في ما يتوهمه موسى شرّا، ونتوهمه نحن وكل أحد، لا يحدث له ذكر، ولا يستنبط المقاصد الإلهية، ولا يستسلم لمراد الله الرحيم.

ـ الخضر خرق السفينة، موسى يستنكر العدوان على ملك الغير بغير مبرر.

ـ الخضر قتل الطفل، موسى يستنكر قتل نفس زكية بغير نفس، ما يعد جريمة متكاملة الأركان.

ـ الخضر أقام جدارا لمن لا يستحق ولم يأخذ عليه أجرا، وهو مكافأة لا تناسب ما أبداه القوم من شح، وسوء خلق، ونبذ لمكارم الأخلاق. 

لقد كلم الله موسى، وكانت معجزة عظمى، لكنها لا تغير شيئا من موقع البشرية والألوهية، فيبقى علم الله محيطا بالظاهر والباطن والشهادة والغيب، ويبقى علم موسى بشريا يحيط بالظاهر دون الباطن، وبالشهادة دون الغيب. فعلم الأنبياء الأكبر هو الوحي، فإذا شاء الله أن يعلم عبده الصالح علما يخفيه عن موسى كليمه، صار موسى أقل علما ممن أحاطه الله بعلمه. لم يكن للخضر بدوره دخل في الأحداث، سوى أن الله كلفه بتلك المهمة المحدودة أن يعلّم موسى شيئا من أسرار العلم الإلهي، فلم يكن ذلك في الحقيقة علم الخضر، ولكنه كلمة الله للخضر أن يعلم تلك الأسرار، ويعلمها لموسى ومن خلاله لكل من يتلو القرآن حتى قيام الساعة. والمؤسف أن بعض الناس ظنوا بالخضر كما ظن النصارى بعيسى، واعتقدوا أنه حي خالد باق، محيط بكل شيء، متناسين قوله تعالى(فوجدا عبد من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا، وعلمناه من لدنا علما)الكهف، 65.

فهو كعيسى “عبد الله”، وليس شيئا آخر، فلا داعي للمبالغات المجحفة التي تأخذ من الله وتعطي لغيره. ولنتأمل كيف ترادفت: (من عبادنا، آتيناه، من عندنا، علمناه، من لدنا) فكل شيء من الله ولم يكن للخضر غير فضيلة التنفيذ والتوصيل بإذن الله. لم يكن يتحدث بعلمه، كان يتحدث بعلم الله، لذلك ظهر موسى إزاءه عاجزا كل العجز، فقد أعجزه علم الله وليس علم الخضر. كما أن محمدا صلى الله عليه وسلم أعجز البشرية كلها بالقرآن الذي هو ذكر أوتيه من الله وليس منه، وهو من علم الله وليس من علم محمد (ص)، فإذا كان موسى كلمه الله، فجزء من هذا الشرف الخالد سيبقى للمسلمين حتى قيام الساعة، لأن الله كلمهم ويكلمهم في كتابه، الذي هو كلامه إليهم، جاء به نبي البشرية الخاتم، متضمنا ما يُذكر الناس على الدوام، ويحدث لهم ذكرا يمنع عنهم الغفلة : (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق، وقد آتيناك من لدنا ذكرا) طه 99.(تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك، ما كنت تعلمها أنت ولا قومك، فاصبر إن العاقبة للمتقين) هود،49.

لو كان محمد(ص)  يعلم الغيب لاستكثر من الخير. ما من نبي يعلم إلا ما علمه الله. وكل من زاد على ذلك معتقدا أنه يكرم مقام النبوة، فهو من حيث أدرك أو لم يدرك، يتطاول على مقام الألوهية. والعاقبة للمتقين.

تعلمنا قصة الخضر مع موسى من خلال ثلاثة نماذج حقائق نكتشفها سويا مع موسى عليه السلام، في ذكر خُصّ به محمد (ص): ـ خرق السفينة خير من السطو عليها عدوانا من ملك غاصب، يحرم أهلها وسيلة يتكسبون بها ويقضون بها مآربهم. وإصلاح سفينة معطوبة خير من ضياعها غصبا. ـ موت طفل بإرادة الله قدر لطيف للتعويض على أبويه بولد زكي رحيم، وهو أكثر ما يتمناه الآباء ويحتاجونه. فولد زكي أقرب رحما، أفضل من ولد شقي جبار.    ـ بناء الجدار كان مكافأة مناسبة ليتيمين يتولاهما الله برعايته، لقد كان أبوهما صالحا، مات ولكن عمله الصالح لم يمت عند الله؛ بل كان سببا لكي يرزقهما؛ وما علاقة ولدين يتيمين لأب صالح منيب إلى ربه، بقوم لا يحسنون مكارم الأخلاق: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحا، فأراد ربك أن يبلغا أشدهما، ويستخرجا كنزهما، رحمة من ربك، وما فعلته عن أمري، ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا) الكهف،82.لم يكن هذا الذكر المحدث تعليما لموسى وحده، بل تعليما للإنسانية جمعاء أن الله وراء كل الأسباب، وأن قدرته ولطفه يجريان في كل الأقدار، وهذا تأويل ما لم يسطع موسى عليه صبرا. وهو أمر لم يفعله الخضر بأمره، لأن الخضر والأنبياء أجمعين وكل العالمين، ليس لهم من الأمر شيء، وأن الأمر كله لله. ولو جاز وفعله عن أمره، وهو لا يعلم الغيب، لكان تلبس بجريمة قتل بهت لها موسى، لكن الله يحيي ويميت كما يشاء بقدرته ولطفه ورحمته. والناس لا يحيطون بعلم الله، وإنما يستفيدون من رحمة الله حين يسلمون له في ما جرت وتجري به مقاديره. وليعلموا أن بينهم وبين الله عقدا (عقيدة)، إذا أخلوا بأحد بنوده خرجوا من الإيمان إلى الكفر، ومن بنود العقد التي جلاها الخضر لموسى:       الإيمان بالقدر خيره وشره.

لقد صار القرآن حامل مشروع كبير لفائدة الإنسانية جمعاء، بعد أن تضمن جملة من قصص السابقين، وقام بصياغتها لتصبح ذكرا جامعا. أي، بمنظور البناء الاجتماعي، جاء الوحي لتلافي المحاذير الكبرى التي توقع في الغفلة، وهي بدورها مصيبة تؤدي إلى إخماد القيم الإيجابية بسبب عدم تبينها، وحتى لا يتم تجريب المجرب، جاء القرآن بالنماذج التمثيلية الحاضنة لكل القيم المفيدة للبشرية:(نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن، وإن كنت من قبله لمن الغافلين) سورة يوسف 2. فالارتباط وثيق جدا بين الوحي والتذكر، بما يدفع الغفلة ويوجه نحو اليقظة الحضارية؛ وهي نشاط إنساني تستنهضه الآيات القرآنية، وهي آيات اجتماعية وكونية، تستهدف استخراج العبرة، وفهم الأنساق التي تسمح ببناء تجربة إنسانية ناجحة قائمة على التفاعل البناء مع الوحي، وحسن الاستمداد من الله والتعرض لهباته، والتركيز على الخير والعدل والاجتهاد. وكل هذه نتائج مسبوقة بحسن الفهم وجودة الاستنباط، التي تقود إلى معرفة الله ومعرفة أنبيائه، وعدم الخلط بين مقام الألوهية ومقام النبوة، ومعرفة حدود الطاقة البشرية المتجددة دوما بالمدد الإلهي. هذه أمور بانية لمجمل الذكر الحكيم، أي لجزء كبير جدا من القرآن. ويمكن أن نستعرض جوانب من هذه المعاني من خلال نموذج واحد فقط، لأن الأمر يحتاج إلى تفصيلات كثيرة. وهذا النموذج هو سورة مريم وما تضمنته من تركيب قصصي. يدعو إلى التذكر والاعتبار، بما يجعل عقيدة تأليه المسيح الفاسدة تسقط في أقل من دقيقتين. في سورة مريم يتم استعراض جوانب وإشارات لقصص مجموعة من الأنبياء:(ذكر رحمة ربك عبده زكرياء…)  مريم،الآية 2.  (واذكر في الكتاب مريم…)  مريم،الآية 15. (واذكر في الكتاب إبراهيم…) مريم،الآية 40. (واذكر في الكتاب موسى…) مريم،الآية 51. (واذكر في الكتاب إسماعيل…) مريم،54. (واذكر في الكتاب إدريس…) مريم،56.

لاحظ أن كلمة ذكر تمهد للحديث عن كل نبي بشكل مفصل، أو بشكل مختزل، بما يجعل القصّ معادلا للذكر. والمطلوب تذكره في هذا الاستعراض هو المسارات والمآلات، أكثر من التفاصيل، والوقائع الجزئية. فالهدف الأكبر لسورة مريم، هو تصحيح العقيدة الفاسدة، التي تزعم أن عيسى هو الله، أو هو ابن الله. ولكن القرآن ليفعل ذلك أدرج قصة عيسى في محيط من قصص الأنبياء تجعله واحدا منهم، وبسيطا مثلهم، وعبدا خاضعا لله مثلهم. ولو أردنا أن نعرف عيسى لما وجدنا تعريفا له أحسن مما أجراه الله على لسانه وهو صبي في المهد ، وهذه هي معجزته أمام الجاحدين. أما كونه ولد من غير أب فتلك معجزة مريم، فهي التي حملت من غير زوج، وولدت بأسباب غير أسباب الناس. لهذا كان عيسى منفعلا بهذه المعجزة وليس فاعلا لها. وإذا ظهر لبعض الناس أنها شيء كبير جدا، فقد جاء الله بها تجاور معجزة مشابهة وهي ولادة يحيى من أب طاعن في السن لا يرجى من حيواناته المنوية شيء يذكر، وقد وهن عظمه، وزوجته عاقر لا تلد أبدا. ومع ذلك “وهب” الله له ولدا وجعله بكل الصفات التي طلبها زكرياء. وقد يقول قائل: ولكن يحيى على كل حال من رجل وامرأة؛ وهذا وهم، فيحيى كلمة الله مخصوصة : (قال ربي أنّى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عُتيا، قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا) مريم،9.والشيء نفسه قيل لمريم بشأن عيسى، فهو أيضا كلمة الله مخصوصة: “قالت أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أكُ بغيا. قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس، ورحمة منا، وكان أمرا مقضيا” مريم،21.

إن هذا التناظر التركيبي في جمل القرآن الكريم يعكس تناظرا إعجازيا في ولادة كل من يحيى وعيسى. وإذا قيل إن معجزة عيسى أكبر من معجزة يحيى، يمكن القول إن معجزة آدم أكبر من معجزة عيسى، فهو عليه السلام من غير أب ولا أم. ولذلك ذكرت قصته في مقام آخر مقترنة بآدم، والله لا يفاضل بين معجزاته لأن الجميع من قدرته، وقدرته ليس فيها شيء أكبر وشيء أصغر، فالأمر الإلهي كلمة مرتبطة بإرادة الله فإذا أراد شيئا، كان:(إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) آل عمرانن 59. وبعض الناس، ممن لايعقلون، قد يربطون المعجزة هذه المرة بالتراب، وليس بكلمة الله  !وعليه نستطيع أن نرتب المعجزات على أساس طرق الخلق وليس على أساس القدرة على الخلق، باعتبار الجميع كلمة الله كما حكاها الله:

المعجزة الأولى: آدم، كلمة الله أرادته من غير رجل و لا امرأة، فكان.

المعجزة الثانية: حواء، كلمة الله أرادتها من رجل ولا امرأة، فكانت.

المعجزة الثالثة: عيسى، كلمة الله أرادته من غير أب بل من أم فقط، فكان.

المعجزة الرابعة: يحيى، كلمة الله أرادته من أب عتا عليه الشيب وأم عاقر، فكان.

المعجزة الخامسة: أنا، وأنت، وجميع الناس، كلمة الله أرادتنا من تناسل بيولوجي، فكان.

فمن قال إن خلق الناس أجمعين بهذا التناسل الطبيعي، ليس معجزة عظمى ومذهلة. بل يكفي القليل من التبصر لنعرف أننا جميعا؛ أنبياء، وبشرا آخرين، كلمة الله. والذين توهموا أن عيسى وحده هو كلمة الله، لم يتبصروا، ومن أجلهم جاء القرآن يحكي قصة عيسى البسيطة ويختمها بتعريف عيسى بنفسه، وهو صبي في المهد: (قال إني عبد الله، ءاتاني الكتاب، وجعلني نبيئا، وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا، وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا، والسلام علي يوم ولدت، ويوم أموت، ويوم أبعث حيا ) مريم، 33.

وتأتي الخلاصة الإلهية واضحة، لتجعل الحد لدعاوى فارغة ومتهافتة، تجعل عيسى ابن الله، زاعمة أن جبريل عندما بشر مريم بالولد، مهد لزواج اللاهوت بالناسوت ليخرج منهما نصف إله، ونصف بشر، هو عيسى ابن الله؟ وهذا الكلام يسقطه القرآن بما أورده من قصص الأنبياء الآخرين، داعيا المتفكرين والمتذكرين لتأمل قصص الأنبياء الذين حكى الله عبرتهم، لنصل إلى النتيجة القرآنية بخصوص عيسى:“ذلك عيسى ابن مريم، قول الحق الذي فيه يمترون، ما كان لله أن يتخذ من ولد، سبحانه، إذا قضى أمرا، فإنما يقول له: كن فيكون ” مريم،35.

هذه بعض الوظائف التربوية البارزة للقرآن الكريم، وهي الدفع إلى التفكر والتدبر والاعتبار، واستخلاص الأحكام الصحيحة والمفيدة في إغناء التجربة البشرية بالحق واليقين، وانتشالها من الأباطيل والأضاليل.

فلو تأملنا سورة مريم لوجدنا ترابطا معجزا بين أركان جميع الحكايات والقصص والمقامات، فقوله تعالى :” ما كان لله أن يتخذ من ولد…” نفهمه بما ورد من حكي عن زكرياء وهو يظهر حاجته إلى ولد، يكون عونا له يواليه ويسنده، ويكون رضيا يستعين به على شؤونه، ويدفع به خوفه من الموالي، ويعينه على شيبته وعجزه.

والله سبحانه، لو احتاج إلى من يدفع عنه أو إلى من يعينه، هل كان يستحق أن يكون إلاها؟ ففيم حاجته إذا إلى الولد؟  فكلمة الله نافذة وأمره بالغ وحكمه نافذ وقدرته مطلقة. وكان من كلمته، وأمره، وحكمه، وقدرته أن يخلق من شاء كما شاء ومتى شاء ” وكان أمرا مقضيا”.

وكون عيسى كلمة الله وروح منه، فالناس جميعا بكل بساطة هم كلمة الله وروح منه، فالإنسان وجد بأمر من الله، وأمره هو كلمته “كن”، وفي الناس جميع قبضة من ماء وطين، ونفخة من روح الله. وهذا أصل البشرية كلها ممثلة في آدم:“فإذا سويته ونفخت فيه من روحي”

ولذلك جعل القرآن للقصص منهجا خاصا، بحيث تجئء القصة مقسمة على سور متعددة، فتستعاد جوانب من القصة مناسبة للسياق الذي ذكرت فيه، مع ضرورة الاستحضار لكلية الأحداث عبر تجميع كل السياقات ليتم استيعاب الدرس الكبير المقصود بالذكر، فتكون قصة واحدة خادمة لسياقات ومواقف متنوعة ترتبط بها مآلات ومصائر، لابد من تأويلها تأويلا حسنا وسديدا حتى لا يقع الإنسان في الضلال، وينجرف إلى الخرافات والأباطيل. فانظر مرة أخرى إلى قصة عيسى في سياق آخر هو سورة آل عمران، وانظر كيف ستنجلي حقيقتة عليه السلام، بعد الذي عرضناه عبر سورة مريم :( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (48) وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (51) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59)الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ (60) ). آل عمران،42-60. فعيسى عليه من الله سلام ورحمة، أبسط مما يتأول الضالون، فشأنه شأن جميع الأنبياء كما ورد ذكرهم في سورة مريم، وفي آل عمران وفي كل الذكر الحكيم، فهو ككل نبي أوتي كتابا، وككل الناس عبد لله وخاضع له، وهو قال يعرف بنفسه:

-إني عبد الله: وجميع الأنبياء عباد لله.

-ءاتاني الكتاب:جميع الأنبياء أوتوا كتابا، وموثقا يبلغوه عن ربهم.

-وجعلني مباركا: وكل الأنبياء باركهم الله ورفعهم مكانا عليا.

-وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا: وتلك الوصية لجميع الأنبياء، ومن خلالهم للناس أجمعين.

-وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا: وذلك يصدق على جميع الأبناء المرضيين وقد وعظ بها القرآن كل الأبناء، ولو كان له أب لقال: وبرا بوالدي.

-والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا: لقد ولد عيسى بأمر الله، ويموت بأمر الله، ويبعث بأمر الله.

وقوله: “والسلام علي…” هو ختم لكلمته التي نطق بها بأمر ربه، وفي الحقيقة هي كلمات أجراها الله على لسانه تلخص محتوى جميع النبوات، ولا تخص عيسى وحده. وأما ما يخص عيسى فهو كونه” تكلم في المهد صبيا”، والقرآن بين أن ذلك كان بأمر الله لتحقيق هدفين:

-الأول: تبرئة مريم وإظهار معجزتها، فهي  مأمورة بالسكوت، والله يتولى الدفاع عنها بهذه المعجزة. في حين كان من عبادتها هي لله أن تسكت في هذا الموقف الرهيب، لترى توالي عطاء الله لها: رزقها من غير حساب، وأعطاها ولدا من غير أب، وأنطق عيسى يدافع عنها .

-الثاني: كون عيسى نفسه معجزة أرادها الله آية من بين آياته الكثيرة: “ولنجعله آية للناس، ورحمة منا،وكان أمرا مقضيا”. وهنا ينهي الوحي جدل مريم، مبينا أن الأمر من الله نافذ، لا دخل لها ولا لعيسى في قليل منه ولا كثير.

ويعضد ذلك مقامات أخرى، حيث التبس على الجاحدين، ما يجريه الله على يد أنبيائه من قدرات، فيجحدون مصدرها وينسبونها إلى من أجريت على يديه. وعيسى من دون سائر الأنبياء كان يرد المعجزات إلى ربه بشكل متكرر مبينا أن جميع معجزاته فعل بإذن الله، وأن الحقيقة التي تهدي إلى الصراط المستقيم هي: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ)

وقد تبرأ من القائلين بألوهيته هو وأمه في بيان صريح، جعله الله ذكرا قائما في القرآن الكريم، وتصريحا نبويا أشهد عليه الله كل خلقه:( واذ قال الله يا عيسى ابن مريم، أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال سبحانك ما يكون لي أن اقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي، ولا اعلم ما في نفسك، إنك أنت علام الغيوب ) المائدة، 116.

هذا الإقرار الذي اتخذ من عيسى من دون سائر الأنبياء يناسب ما آلت إليه دعوات الضلال من تحريف الآيات عن مصدرها وصاحبها، إلى مبلغها والمأمور بإظهارها بأمر الله وقدرته وليس بأمره هو وقدرته. والنتيجة البينة:

عيسى عبد من عباد الله، أوتي كتاب الله فيه هدى للناس ورحمة، لا أمر له ولا قدرة إلا ما أجراه الله على يديه وأقدره عليه. وهو آية من الله، و يصدق عليه ما ختمت به سورة مريم الحديث عن جميع الأنبياء المذكورين؛ إذ وهو مجرد واحد منهم:(أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيئين من ذرية آدم، وممن حملنا مع نوح، ومن ذرية إبراهيم، وإسرائيل، وممن هدينا واجتبينا. إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سجدا وبكيا )  مريم،58.

هذه إذن بعض الوظائف التربوية المستنبطة بشكل مختصر من سورة مريم، والتي يمكن أن نقيس عليها جميع القصص الواردة في القرآن الكريم.  فكلها حافلة بالمعاني والعبر والتوجيهات التي تدعو إلى أن يسلك الإنسان السبل التي تجعله مستهديا بخطوات الصالحين الأبرار، ومبتعدا ما أمكنه عن سبل الفاسدين الفجار.

-فزكرياء مثلا: من الأبرار الذين أحسنوا الظن بالله، وعرف كيف يستخلص الدرس المناسب من تفضّل الله على مريم، وأحسن الظن بمريم، وعرف أن صلاحها جلب لها تلك الهبات، فذهب يستخلص الدرس المناسب باللجوء إلى الله وطلب أفضالا وهبات مماثلة، فكان له ذلك.

-وقوم مريم مثلا: من الفجار سيئي الظن بالله وبالصالحين من الناس، لما جاءتهم مريم برزق وهبه الله لها غلاما زكيا، جعلوا يشهّرون بها، ويلمزونها، ويغمزون من قناتها وقناة أسرتها:” يا أخت هارون، ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا” وهؤلاء لا علاقة لهم بصلاح الأب ولا فساد الأم، ولكنه غل وفجور مصدره التشكيك في قدرة الله، والرغبة في طمس ما عرفت به مريم من صلاح وهي معتزلة لهم. فهم يحرصون على أن لا يقال إن الله يفئ  بأفضاله على الصالحين، هؤلاء قوم لا عروة بينهم وبين الله، بل كل همهم في السوء والشهوات.

هؤلاء وأمثالهم ـ والقرآن يحكي قصتهم ليس من أجلهم بل من أجل المسلمين لكي لا يكونوا مثلهم ـ لا يتفكرون ولا يتدبرون، بل ألهوا نبيهم ثم حاولوا قتله. إله لديه أم، ويحاط به ويصلب، فيبقى يستحق صفة الألوهية؟ ودعك من كلام الفادي والمخلص، فذلك لا يلغي أن هذا الإله عاجز وضعيف، فإذا لم يخلص نفسه كيف يخلص غيره؟ إن كلمة الحق أجراها الله على لسان عيسى وهو صبي في المهد لا حول له ولا قوة، بل كل قدراته هي هبات من الله لا دخل له فيها، فلو كان ولدا يتكلم من تلقاء نفسه، لنغنغ كما ينغنغ الصبيان، وقال كلاما يليق بالمهد والغرارة، وليس كلاما يجمل النبوة في إعجاز بين، ختمه بتحدّ ظاهر لم يلفت نظر القوم الغافلين:

-والسلام علي يوم ولدت: لقد ولد من أم في خلاء بلا معين، فسلمه الله.

-والسلام علي يوم أموت: لقد سلمه الله من الصلب، فما صلبوه ولا قتلوه، وإنما يموت بمشيئة الله كما ولد بمشيئة الله.

-والسلام علي يوم أبعث حيا: وسوف يسلمه الله يوم يبعثه، ويلحقه بمن أنعم عليهم بمشيئته وقدرته، وحده جل شأنه. حين يكون الملك له وحده ويكون عيسى عبدا كسائر العباد يسأل الله السلامة. كما يسألها كل الذين يبعثون بين يدي الله، فتكون كلمة الله نافذة، وحكمه غالبا.

إن الذين لا يتدبرون القرآن ويغفلون عن ذكر هذه المصائر والمآلات والأحوال، سيجري عليهم ما جرى على المكذبين بعيسى. اللهم من راجع نفسه قبل فوات الآوان:( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، إلا من تاب وءامن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا).مريم. الآية 59-60.

السؤال 06: نلاحظ وجود قصص مجزأة عبر المتن القرآني وبعضها ورد مرة واحدة، وقصص قصيرة جدا مثل قصة أصحاب الفيل، وأخرى طويلة مثل قصة يوسف فما السر في كل ذلك؟

أولا: علينا أن نذكر قبل ذلك أن الله قص علينا بعض القصص وليس كل القصص، فثمة قصص لأنبياء آخرين لم يذكرها القرآن الكريم وسوف نبين سبب ذلك.

ثانيا: أن هذه القصص موزعة على القرآن كله، لأن الهدف هو أن يندرج كل مقطع في سياق من الذكر يخدم هدفا قرآنيا خاصا، وتكون النتيجة أن تجميع مقاطع القصص ضمن سياقاتها المتنوعة هو الذي يمنح القصة صفة التعميم، لتصبح نموذجا يتجاوز مصير النبي المذكور أو الأشخاص المذكورين، بل تصبح حقيقة مناسبة لكل الحالات المماثلة للنموذج المذكور إلى قيام الساعة.

ثالثا: العبرة ليست بالطول والقصر في القرآن الكريم، ولكن العبرة بالوظيفة التي تؤديها القصة والغرض الذي تخدمه. ومن بين أسباب نزول القرآن الكريم تصويب الكتب السماوية السابقة التي تحولت إلى ملاحم من التفاصيل حول الأنبياء اختلط فيها الحق بالباطل، وبذلك فسدت حقيقتها ولم تعد مقدمة صحيحة برهانيا، وكل النتائج المستخلصة منها قد تكون مضللة، والهدف من الكتب السماوية أن تكون هادية. لذلك غلب الاقتصاد السردي على قصص القرآن وجاءت مناسبة لمقامات التوجيه الباني لقوانين السلوك العام، إيجابا للاقتداء به والاستفادة منه، وسلبا لطرحه والابتعاد عنه.

 كلما تعلق الأمر بالقص والحكي فالله جلّ جلاله لا يستنكف عن قص الحكايات واستعراض المسارات، جاعلا من الحكي مختبرا لفهم مآلات الفعل البشري. مبرزا ما في الطبيعة البشرية من تماثل وتناظر، يجعلان -بمنطق رياضي- هذا العدد من القصص المسرودة كافيا للإحاطة بالظاهرة البشرية، واستنباط العبرة منها ومن أشباهها لسلوك السبل المثلى نحو صلاح البشرية وحمايتها من الظلم والطغيان:

وقد شكلت قصة موسى على سبيل المثال موضوع تبئير قرآني مركزي، باعتبارها من أصول النماذج البشرية البانية للبراديغم الأمثل، فيما تنتهي إليه نتائج الفرعنة والتأله البائس. ولقد كانت هذه القصة موضوع تضمين انشطاري، حين قص الله قصة موسى، وحين قص موسى نفسه قصته على شعيب: (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا. فلما جاءه وقص عليه القصص، قال: لا تخف، نجوت من القوم الظالمين) القصص،25.هذه الكفاية  المعرفية تجعل العدد المسرود من قصص الأنبياء ينوب عن كل القصص الأخرى التي لم تسرد، لأنها لن تغني القرآن بأي أبعاد وظيفية جديدة. ولكن عملية انتقائية جعلت القرآن يختار ما الذي ينبغي استحضاره وما الذي ينبغي استبعاده من هذه القصص. فالتركيز على قصة موسى يغني عن قصص أخرى لأنبياء آخرين، عانوا نفس العسف والظلم: (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل، ورسلا لم نقصصهم عليك؛ وكلم الله موسى تكليما) النساء، 164. ومن ذلك أيضا انتقاء قصة يوسف لتصبح موضوع استعراض لحكاية شاب عفيف، جمع إلى قوة العفة، الحكمة والعلم وحسن الإنابة إلى الله. فكانت نتيجة أفعاله الإيجابية تتويجه نهائيا بعد سلسلة اختبارات أثبت نجاحه في تجاوزها وعدم الركون إلى ما يمكن أن يشده إلى أرض الشهوة والدناءة، رغم صعوبة الموقف، وشدة الخصم وقدرته على الإيذاء. لقد تمكن يوسف من تذكر ألطاف الله به وفهم أن الذي أخرجه من البئر والحفرة الموحشة البئيسة، سيكون رحيما به لو فقط نقله إلى خرابة فوق الأرض، فكيف إلى قصر منيف. غير أن القصر لا يكون خيرا بمباهجه المظنونة، حتى يسند ذلك العرفان، والسمو على الشهوات، وعدم الغفلة عن برهان الرب، فالذي أخرجه من بئر باردة قادر على أن يعيده إلى حفرة موقدة. ولقد رأى بأم عينيه رجلا يصلب فتأكل الطير من رأسه. فلو استسلم لما همّ به لكان مآله عمود يصلب فيه، وليس نبيّا مُتوّجا يحكم خزائن مصر ويديرها بتدبير حفيظ عليم، قادر على أن يعبر بالمجتمع سنوات الجفاف والقحط، بنوع من التدبير الاقتصادي أبدع في التخطيط له علما، ورعاه بخلقه حفظا .

لقد مكن ليوسف واستحق التشريف الأكبر بعد أن حصل سابقا على وسام الصدق:(يوسف أيها الصديق) أسجد الله له أهله بعد كل الاختبارات تكريما إلهيا، لأنه تذكّر برهان ربه ولم يكن من الغافلين، تغلب على شهوة مستعرة ثقة في نصرة القادر فلم ينزعج للتخويف والتهديد والسجن. بل السجن كان أحب إلى قلبه من جحود نعمة سيده، فصار أحب إلى ربه الأكبر فجعله نبيا يسلك خبره في سيرة الأبرار المعدودين، وينتقي قصته ليسردها مفصلة، ويحليها بمديح جلاله ويجعلها من أحسن ما سرده القرآن لخاتم النبيين، ومن خلاله لبقية البشرية، لتستنبط منها العبرة الكبرى، أن التتويج لا يكون إلا عند التحكم في الشهوات، والاستعلاء على الفاحشة، وتطويع المادة خير من طاعتها: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) يوسف ، 3.والقصص من وجهة نظر القرآن مطلب رئيس جدا، يستكمل الوظائف الباررزة للنظر والتعقل والتدبر والتفكر، وفهم التجارب البشرية وتوزيعها على محاور الخير والشر والصلاح والفساد والبناء والهدم والسمو والاتضاع: (ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد الى الأرض واتبع هواه، فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا؛ فاقصص القصص لعلهم يتفكرون).الأعراف، 176.

وهذا هو الرهان المعرفي الكبير المستفاد من القصص القرآني، والمستمد من نسغ الحكي وطبيعة القص، الهادفة إلى استدرار النتائج من مفردات الوقائع وتعميمها على تاريخ البشرية بأسره، قصد التدبر والاعتبار. فالوقائع مهما تعددت وتنوعت فإن محددات الفعل البشري وحصيلته متناهية، وليست مفتوحة على الحد اللانهائي. ولذلك كانت المعرفة الحكائية ذات شأن كبير في فهم الطبيعة الإنسانية وذات أثر كبير في تقويم الأساس الاجتماعي للمجتمعات.

هذا المنطق الرياضي المؤسس على قدرات الاستنباط التي أودعها الله في عباده،  تجعلهم قادرين على استخلاص النتائج، وعدم الارتباط الجزئي بالقصة المستعرضة، بل العمل على العبور بنتائجها لتصبح مجرد مثال لكل واقع آخر يشبهه في أحداثه، ويدانيه في حقائقه. وأعتقد أن العلامة النورسي انتبه إلى ذلك وهو يقرأ قصة يونس، على أساس أنها قصة كل إنسان ابتلعته شهوات الحياة ودخلت به في قعر لجي من الفتن والآفات والنكد، لا ينجيه من مهالكها إلا الأوبة اليونسية، والتوبة السرمدية: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا، فظن أن لن نقدر عليه، فنادى في الظلمات أن لا اله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين ) الأنبياء،87. وهل يكون الهروب من الله إلا إلى الله، وهل كان ليونس أن يخوض تلك التجربة المفزعة في الظلمات ليفهم أن الظن بأن الله لن يقدر عليه، ظن باطل. ولكن يونس موكل أن يكون موضوع تجربة تكون خلاصتها مفيدة لكل المنيبين، وسلوانا لكل التائبين.

 فعند التوبة الصحيحة، والإنابة الحقيقية، عندذاك فقط، تتجلى الألطاف والرحمات و يخرج الإنسان كل الإنسان، سالما راكبا بطن الحياة الدنيا، تسبح به حتى تضعه على شاطئ السكينة والرحمة والطمأنينة.

السؤال 07: وظفت القصة القرآنية عناصر التشويق لجذب النفس المتلقية لما تضمنته من عبر وعظات ! هل لكم إبرازها بإيجاز في قصة من اختياركم؟

         أعتقد أن تحليل قصة قرآنية بتمامها يحتاج إلى مساحة أكبر من القول، ولكن لنكتفي بما سبق من إشارات إلى بعض القصص القرآني ونقيس عليها. إنما لا يفوتنا أن نشير إلى أن القرآن لا يستهدف التشويق والإمتاع بالحكي كما تفعل القصص عموما. فغرض القصة القرآنية تحقيق المتعة الفعلية بنتائج الانفعال بالقصة والعملبمقتضى ما ورد فيها من تعاليم. لأن القصة القرآنية جزء من أحكام القرآن. وهدفها وظيفي بالدرجة الأولى؛ أما جماليتها، فترتبط بالنسقية الكلية لبناء القرآن الكريم، باعتباره صرحا لغويا ودلاليا معجزا. فالقرآن في حقيقة الأمر لا يتشكل من جمل مجردة بقدر ما يتشكل من آيات، فالجمل فيه تتحد لبناء شيء مفيد للعقل، والوجدان، والنفس، والروح. وكل شيء تقرؤه في القرآن، سيهديك إلى شيء ممتع ومعجز. وفي كل ذلك حلاوة قرآنية متفردة.

 غير أن المنزلق الذي ينبغي عدم الوقوع فيه، هو الاهتمام بشكلانية القرآن دون محتواه. فلا ينبغي أن ننسى ولو للحظة واحدة أن القرآن رسالة. والرسالة لا بد من الاطلاع على محتواها وتنفيذ ما ورد فيها من مطالب. ولذلك ربما أفرط بعض البلاغيين القدامى في استظهار ما يزخر به القرآن من صور (بيانية) وبديعية. علما بأن مفهوم البيان نفسه تم تحريفه، فأخرج عن معناه الحقيقي وهو الإظهار الجلي للحقائق، وليس التزويق والتدبيج والمبالغة فيهما.

        فلذلك عدت القصة القرآنية، ذكرا ووحيا وبلاغا ورسالة وبيانا وآية… فكل ما يصدق على القرآن يصدق على القصص القرآني. وميزتها ليست في الحبكة والتشويق؛ ولكن في قدرتها على إجلاء الحقائق، وبيان المواقف، والسيطرة على الظاهرة الإنسانية، والاجتماع البشري، من خلال نماذج محدودة، وقصص معدودة.

     ويمكن الوقوف على طريقة تشكل القصص القرآني عبر تجميع مكونات القصة في القرآن كله وإعادة النظر فيها دون إغفال السياقات المتنوعة التي وردت فيها. وبذلك سنكون أمام مستويين:

  مستوى أول: التعرف على القصة ومحتواها الداخلي، وتجميع مكوناتها البانية، لنحصل على واقع القصة. ما حدث للنبي موسى مثلا، أو يوسف.. وهما أطول موضوعين قصصين في القرآن الكريم فيما أظن.

 مستوى ثان: التعدية بواقع القصة، إلى الواقع الإنساني والعمل على تحيينها، من خلال استدرار ما تنطوي عليه من دلالات (آيات). ولذلك كانت القصص من آيات الله، أي من أدلته وحججه وبراهينه التي تثبت حقائق متعلقة بطبيعة التكوين الفردي والجماعي للبشرية.

         لو نظرنا في سورة موسى باختصار شديد، فسوف نجد –ككل القصص الأخرى- التحاما شديدا بين الغيب والشهادة. من خلال علم الله الكامل والمحيط والعارف بمآلات الأمور قبل نشوئها وخلال جريانها وبعد انتهائها، والعلم البشريالمحدود بخطية الوقائع وتنامي الأحداث. فحتى مع معرفة فرعون بشأن موسى وعمله على ذبح الأبناء الذكور، لاستئصال شأفة الشر في نظره –علما بأن موسى مظهر من مظاهر الخيرية الإنسانية المناوئة لطغيان فرعون وجبروته – سوف نفاجأ جميعا بأن موسى سينجو، وسينشأ في أحضان فرعون. نعم إن التأمل في هذه القصة يشد أنفاس القارئ، ولكن ليس ليستروح بعد ذلك حين تنفك العقدة، بل لينتهي إلى القول : ” سبحان الله، لاغالب على أمره إلا الله”.كان جبروت فرعون غير عاد، وطغيانه واستخفافه بقومه فوق التصور، ومع ذلك فهم له مطيعون. وكان ينبغي أن يقوم موسى بإنقاذ بني إسرائيل مما يسامون من خسف وعذاب. لكن موسى لن يفعل ذلك بمشيئته، بل بمشيئة الله، رغم أنه لا يكرر قوله بإذن الله كما فعل عيسى، إذ لا أحد زعم أنه إله. لقد كانت تلك حماقة بعض المسيحيين. وبعض المتشيّعين ممن ألّهو عليا. أن يقذف الثابوت في اليم، ويخترق كل المحاذير والمخاطر، لا يقل في شيء عن تكلم عيسى في المهد، فموسى أيضا حملته مشيئة الله وكلمته إلى فرعون، وأعادته إلى أمه. أم موسى كأم عيسى، كلاهما تحت أعين الله ومشيئته. سوف يحكي القرآن قصة موسى في أكثر من موقف ومقام وسياق، لأن قصة الطغيان هي أكثر ما يؤرق البشرية، ويحول دون استقامة أمور الناس على هدى الله. فالطغيان بالسلطة والمال، تجر إلى شرور كثيرة من قتل وتدمير واستحواذ واسترقاق واستضعاف واحتكار… والنفوذ الطاغي، يجعل مائدة الرحمن المبسوطة لعباده، بين يدي جماعة من الجشعيين الطغاة. وفي مقابل تأله فرعون، سيكلم الله موسى تكليما، معجزة تكافئ طغيان حاكم ظالم. خاف موسى لما تجلت له أنوار الله في الشجرة المباركة. فيحصل على الأمان من ربه، يا موسى إني أنا الله، ثم يكلم موسى ربه: (قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين) الأعراف، 144.

أيهما أكبر معجزة أن يتكلم صبي في مهده بإذن الله، أم أن يسمع نبي مرسل كلام الله؟ أليس كل ذلك من الله؟ فلماذا عيسى إله؟

( وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى(17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18)قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا(34) إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42)اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى (45) قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48) )طه،9-48. لكن موسى حين سمع ربه، واستأمن، وتحدث عن عصاه بتفصيل كثير أمام ربه بعد أن همّ بالفرار والركض: هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى؛ لم يكن يتوقع من بين كل المآرب أن تكون العصا حية تسعى. لكن لم يكن ذلك من مشيئته كان من مشيئة الله. وهل موسى إلا عبد من عباد الله، وهل عيسى إلا عبد من عباد الله، وهل محمد إلا عبد من عباد الله؟  ليس لهم من الأمر شيء، الأمر كله لله. هكذا تتظافر المعاني في القصص القرآني لتبين أن الإرادة والمشيئة والكلمة من الله وحده، وأما رسل الله؟ عليهم البلاغ فقط. عندما تكلم عيسى يعرف بنفسه قال:(إني عبد الله آتاني الكتاب… وأوصاني بالصلاة…) وعندما تكلم الله معرفا نفسه لكليمه موسى، قال:(إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)

    عيسى عبد الله أمره الله بالصلاة ؛    موسى عبد الله أمره الله بالصلاة.

كل المعاني متحدة ومتوحدة: هو إله واحد رب موسى وعيسى.

   عيسى تكلم صبيا بأمر الله،   موسى كلمه الله

كان موسى يريد أكثر من تكليم الله، لقد طمع في شيء أكثر: أراد موسى ورغب أن يرى الله. لكن الله لم يرد، لم تكن تلك مشيئته، ولم تكن تلك كلمته. فلن يكون إلا ما يريده الله. إن القصة تفهمنا أن موسى كليم الله بإذن الله، وليس بإذنه هو: “قال :رب أرني أنظر إليك. قال: إنك لن تراني ” قال موسى، وقوله طلب؛ وقال الله وقوله أمر. من يعادل الله بعباده فهو ظالم. ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه، قال رب أرني أنظر إليك، قال لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني. فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، وخر موسى صعقا. فلما أفاق قال سبحانك، تبت إليك وأنا أول المؤمنين)    الأعراف، 143.مسكين موسى، خرّ وهوى وصعق، لم يكن شيئا أمام أمر الله ؛ مسكين يونس، لم يكن شيئا أيضا أمام أمر الله. الآن عرف موسى دوره وحدوده، فذهب ينفذ أوامر ربه، مسلحا بما أمده الله به من آيات العصا واليد البيضاء. سوف يُعجز موسى سحرة فرعون في يوم حافل مشهود أقامه فرعون وموله من خزائنه، ليشهد الناس على خسارته الفاضحة في جلية الضحى، ليس بعصاه هزمه موسى؛ بل بكلمة الله… أما العصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه ومآرب أخرى لم يكن ضمنها في حسبانه أن تكون حية تسعى تلقف ما أفك ساحروا الأعين ومزيفو الحقائق. لقد خسر فرعون وخسأ، وكان من نتائج ظلمه وبغيه: غرقه في اليم، اليم نفسه الذي حمل إليه موسى. اليم نفسه الذي يتحرك بكلمة الله، قال الله لليم تلطف بموسى وأبلغه آمنا إلى قصر فرعون. ففعل. وقال الله لليم انفرق لموسى وأغرق فرعون وجنوده الظالمين ففعل. كما قال الله لزكرياء سأهبك غلاما وأنت عجوز وامرأتك عقيم، وكما قال لمريم ستحبلين بولد أجعله آية، وقال لعيسى في المهد تكلم ولخص محتوى النبوة… وقال الله للنار كوني بردا وسلاما على إبراهيم…هي كلمة الله، وليس اليمّ. قال الله لموسى اضرب بعصاك البحر ففعل فانفرق البحر بإذن الله، وليس بإذن موسى وعصاه، تلك التي أحصى وظائفها أمام ربه ولم يذكر منها أنها تفرق بحران كما لم يذكر أنها تصير حية تسعى. قال الله لعيسى أحيي الموتى، ففعل، ولكن عيسى لا يستطيع أن يحيي نفسه، يوم مات بأمر الله، وسلمه الله من الصلب. هذه هي الحكايات المشوّقة، الشوق إلى رحمة الله ونعمائه ، والنجاة من سخافات الضلال.

-من الناس اليوم من يعبد القردة وهي تعبث فيهم فسادا، يأكلهم الفقر والجهل والخنوع. ولكنهم عاكفون على قردتهم وأبقارهم.

-من الناس من يعبد دمية خشبية صنعتها أيديهم يوما ما فنسوا، تبقى سنة كاملة عند المحظوظ الذي يختار الإله الدمية الخشبية أن يحل عنده سنة كاملة، فقير معدم يأوي إلهه في غرفة يعكف على تدبيجها سنوات، وربما لم يحالفه الحظ !

-وفي أماكن أخرى سخافات وضلالات في القرن الواحد والعشرين، عصر العلم والتكنولوجيا يدعون مع الله آلهة بئيسة مضحكة ومخجلة.

 من لا يتذكر عبر السابقين يصير من الغافلين، ثم من الضالين والمغضوب عليهم، الذين حادوا عن الصراط المستقيم.

ــــومن الناس من كان يقول: أنا الله ! وربما ما زال في أدغال هنا أو هناك جحور لتأيه الأشخاص، يطفئون النور ويسيرون وراء الطاغوت.

مات فرعون غريقا، وصار جسده مومياء شبيهة بلعب الأطفال، معروضة في متحف القاهرة بميدان التحرير يتفرج. الناس عليها بعشرة جنيهات؟ أهذا الذي زعم أنه إله، هذه الجثة المشبوحة، الواهنة، زعمت أنها إله؟ دمية صار إذن.

  لم يقل أتباع موسى من الضالين كما قال الضالون من أتباع عيسى “أنت إله”، أو أنت “ابن الله”، أو أنت “روح القدس”، مما لا يفهمه أحد من العالمين، وهذا وحده معجزة كمعجزة جثة فرعون، كلمة مشبوحة متألهة مثل دمية فارغة، لا يفهمها أحد ومع ذلك تجد كثيرا من الضالين عليها عاكفين؟

لكنهم قالوا اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، هما الضلال والكفر،إذن، ملة واحدة. لذلك قص الله بعض القصص وليس كله. إن بعضه يغني عن بعض. (وجاوزنا ببني اسرائيل البحر، فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون) الأعراف، 138.

لم يكن موسى يعلم شيئا مما سيحدث، كان خائفا وجلا من طاغية جبار، ولكن صلاحه وتقواه، وبره وخيريته، من عناصر اصطفائه: “واذكر في الكتاب موسى…” جائعا خائفا ذليلا … تحت شجرة، ليس معه غير عفته وتقواه، سوف يسقي للفتاتين. ما كان يريد بذلك غير وجه الله. لقد كان فقيرا إلى الله كل الفقر. لكن الله الذي أخرج يوسف من البئر وآواه ونصره، سوف يخرج موسى من فقره وخوفه وتشرده. هنالك سيقص موسى قصته لشعيب. قصة ظالم جبار يدعي ما ليس له من ألوهية، يذبح الأطفال، ويستحيي النساء… كان موسى صادقا، وكان شعيب خيرا نبيلا، قال: (لا تخف نجوت من القوم الظالمين)  نجا موسى، وأمن، وسعد بأسرة وعشيرة، وقضى ما شاء الله له من سنين يرعى غير ضجر ولا متأفف، كان في نعمة من الله طاعما من جوع آمنا من خوف، تزوج وابتعثه الله نبيا، وعاد إلى فرعون نفسه، مسنودا بأخيه هارون، فتمت كلمة الله، ونجا موسى وفاز ومن معه من الصالحين الأخيار، وخسر فرعون واندحر ومن معه من الطالحين الأشرار.

 هذه خلاصات من قصة بديعة يريد الله بها أن يثبت لعباده أن كلمته غالبة. أن تكون إلها ليس دعوى تدعيها كفرعون، أو يدعيها لك التافهون كقوم عيسى… ولكن أن يكون لك خلق وأمر، فمن كان له خلق وأمر فهو الله.  “ألا له الخلق والأمر” ويستمر التحدي القرآني:( هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين ) لقمان،11. كل هذا الذكر من أجل هذه الخلاصة التي يبرهن فيها القرآن أن حكاية الإيمان والهداية مستمرة، وحكاية الكفر والضلال مستمرة، ولكل منهما سبيله، ولكل سبيل نهايته، ولكل نهاية عاقبتها. ( وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (122) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123) ) هود،120-123.  فكيف لا يثبت قلب محمد صلى الله عليه وسلم، وعنده الحكاية الكاملة لآيات الله في خلقه، وقد آنسه الله بقصص إخوانه الأنبياء، وهو يعرض أحواله إلى أحوالهم وابتلاءه إلى ابتلاءاتهم، فيبلغ أمته بما أمره الله، أن العاقبة للتقوى، وما من إله إلا الله، ولا يكون شيء إلا بمشيئة الله: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلينن والحمد لله رب العالمين)الصافات،180-182.

التعليقات

#1عبد السلام اليحياوي2013-05-05 17:32

هذا الحوار الشيق حول القصص القرآني يعمق التفكير في سر وروده بكثرة في القرآن الكريم الذي هو الرسالة الخاتمة من الله إلى العالمين تتلى آناء الليل وأطراف النهار، فعندما أمعنت التفكير في هذا الأمر تبينت أن التذكير مطلب إنساني تمارسه جميع الأمم والشعوب عندما تتخذ لها أعيادا ومناسبات معلومة تحيي فيها ذكريات انتصاراتها لترفع بها شأنها وتستعيد الثقة في نهجها وخصوصياتها وعقائدها واختياراتها وإنجازاتها التاريخية، لتكون رائدها وحافزها على مواصلة الجهود ومكابدة الصعاب ورفع التحديات لبناء حاضر زاهر وغد مشرق، أو تتذكر انكساراتها وإخفاقاتها لتتذكر بها العوامل والأسباب التي أدت إليها وجعلتها كسبها المستحق، وذلك حتى تستخرج منها الدروس والعبر وتزفها للأجيال المتعاقبة، لتعيها جيدا وتحذر تكرارها والسقوط في الطريق الموصلة لما يماثلها من اندحار وانحدار.
فآفة العلم والمعرفة والإدراك هو النسيان، ولقد كانت خطيئة أبينا آدم وأمنا حواء بسبب نسيان نهي الله لهما عن الأكل من الشجرة داخل الجنة. فقال تعالى {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا } [طه: 115]. فقد نسي آدم تنبيه الله له وكذلك نسيت ذريته دين الله ووعده ووعيده وانغمست في الغفلة.

ويكون سبب غفلة الإنسان عما ركز في فطرته أو ذكره به الأنبياء أو ورثتهم من العلماء والدعاة هو النسيان،{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] {لَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: 51] ،{إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } [ص: 26]، {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44].
وإذا كان القرآن الكريم ذكرا وذكرى فبماذا يذكر القرآن الإنسان إنه يذكره بحقيقته وحقيقة وجوده في الحياة والدنيا وحقيقة المهمة الكبيرة التي أنيطت به وحقيقة نتائجها على نفسه سعادة وشقاء دنيا وأخرى ومدار التذكير بكل هذه الأمور هو التذكير بالله تعالى عبر المواعظ والبيانات والأوامر والنواهي والقصص والأمثال والترغيب والترهيب والإخبار والتحذيروغير ذلك من الصيغ القرآنية المختلفة.

#2مصطفى بنحدو2013-05-08 11:15

من المعلوم في علوم التربية أن ترسيخ القيم وتثبيت الأخلاق وبناء المواقف يلزم أن يتم باستخدام عدة وسائط وطرق ووسائل لها تأثير مشهود في النفس مثل الشعر والقصة والأغنية والمثل .. ومن هذا المنطلق تبدو لنا أهمية توظيف القرآن الواسع للقصص وتضمينها قيما اعتقادية وأخلاقية تمثل صميم الدين وأساسياته الإيمانية ومبادئه الأخلاقية، ألا ترى أنك تجد في القصة تأكيدا وترسيخا لحقائق العقيدة الإسلامية وخاصة صفات الله العلى العظيم من قدرة لامتناهية وعلم لايعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، وحكمة بالغة وتدبير محكم كما يستفاد ذلك من قصة موسى وفرعون وقصة إبراهيم وقومه وقصة المسيح والنصارى وقصص محمد الخاتم وقريش، ولا تخلو قصة قرآنية من تأكيد ألوهية الله وربانيته ووحدانيته وجانبا من كمالاته ثم تشير إلى أخلاق الأنبياء وجهادهم في دعوة أقوامهم وتحملهم العناء والمعاناة الشديدة في سبيل التبليغ وإقامة حجة الله على الآدميين المسؤولين من بين جميع الخلائق وتلك طائفة أخرى من قيم الدين والإيمان تعمقها قصص القرآن في النفس الإنسانية.

#3بوجمعة احراير2013-05-27 10:48

اقتضت ربانية الرسالة السماوية وشموليتها أن تعالج جميع جوانب الإنسان العقلية والفكرية والروحية والجسدية بأساليب فعالة ومتنوعة تم توظيفها بتوسع ملحوظ في متن كلام الله وسنة رسوله وسيرته العطرة، رامية إلى توجيه فكر المخاطب وعقله إلى التدبر والتفكر من أجل الاهتداء إلى معرفة صفات الخالق وبينات شرعه وطبيعة الحياة والمهمة المنوطة بالمكلف في رحابها وتعدد مواقف البشر من دين الله عبر السنين والأحقاب.
ولا شك أن الإنسان يحتاج إلى خطاب يملك قدرة تأثير عظيمة ينفذ بها إلى أعماق النفس البشرية من أجل اكتسابها اليقين، والثقة بنصر الله، والصبر على المحن، و تحمل الكد والاجتهاد، بغية الرقي والفوز بالنعيم الأبدي، لذلك وغيره اعتمد الإسلام أساليب متنوعة تنوعت بين الحوار والقصة وضرب الأمثال والترغيب والترهيب والوعد والوعيد وغيرها.
وإذا تأملنا القرآن الكريم وجدنا متنه زاخرا بالقصص سواء قصص الأنبياء ومراحل دعوتهم وتطورها وعاقبة المؤمنين والمكذبين، ومعجزات الأنبياء كقصة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم، أو قصص تتعلق بحوادث غابرة كقصة طالوت وجالوت وأصحاب الكهف وأصحاب الأخدود وقصة مريم وقارون وأصحاب الفيل وغيرهم، أو قصص متعلقة بالحوادث التي وقعت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كغزوة بدر، وأحد، وحنين، وتبوك، والأحزاب، وحدث الهجرة، والإسراء، ونحو ذالك، وهذه القصص لم تدرج لأجل السرد والحكاية أو التسلي ولكن لهدف أسمى وهو تربية الإنسان وتنمية الإيمان بالله في قلبه وتوضيح حقائقه.
ونذكر ملامح لذلك على سبيل المثال لا الحصر:
1 ـــــ تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وقلوب المسلمين في مواقف وصلت فيها القلوب الحناجر، حيث أن أغلب القصص نزلت في المراحل الأولى من الدعوة الإسلامية؛ وهي في مهدها تنتظر رجالا لتحمل أعبائها، والسير بها قدما تحملا وتبليغا ونشرا، ولن يتأتى ذلك إلا بتقوية ثقة المومنين بنصرة الحق وأهله، وخذلان الباطل وأعوانه، قال تعالى:”وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك”.
وذكر قصة فرعون وأصحاب الأخدود وغيرها توضيح وإظهار لمدى نصرة الله للمومنين الصادقين الذين اتبعوا أنبياءهم، وزيادة في تشبث للمومنين تشبتا برسالة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم والصبر على الشدائد ثقة ويقينا بنصر الله.
2 ـــــ زرع العقيدة الصحيحة المتينة في قلوب المومنين بتثبيت أركانها المتمثلة في إثبات الوحي ونسبته إلى الله وتوحيده بين جميع الأمم، والتصديق بالأنبياء والمرسلين وكتبهم ومعجزاتهم وبالغيب وبالحياة الأبدية من خلال سرد لقصص الأمم الغابرة وذكر مصير المكذبين وجزاء المصدقين المتبعين، قال تعالى:”تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين.”
وقال تعالى:”نحن نقص عليك أحسن القصص بما اوحينا عليك هذا القرآن”
3 ـــــ دعوة الإنسان إلى التفكر والتدبر في خلق الله وفي حياة هذه الامم البائدة للوصول إلى يقين جازم بوجود الله وقدرته وقيوميته، واطلاعه على السرائر وتمييزه للإنسان في هذا الكون بالعقل والقدرة على معرفة الخير والشر والتمييز بينهما، ليهتدي إلى الطريق السوي المنجي من هلاك الله والمفضي إلى مرضاته والابتعاد عن طريق الخزي واللعنة والهلاك والويل وغضب الله، قال تعالى:”فاقصص القصص لعلهم يتفكرون.”
4 ـــــ بيان ما في هذه القصص من الحكم البالغة والعبر والعظات التي تنير طريق الإنسان في حياته العاجلة والآجلة، ولو تتبعنا كل قصة مذكورة في القرآن لما استطعنا أن نحصر الفوائد المستنبطة والمستخرجة من آي القصص، قال تعالى:”ولقد جاءكم من الأنباء ما فيه مزدجر، حكمة بالغة فما تغن النذر.” وقال تعالى:”لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب.”

لقد كان لأسلوب القصة الدور الرئيس في بناء شخصية المسلم ورفع فعاليته وتعبئته فكريا وأدبيا للاستجابة لنداء الخالق في عبادته وإقامة دينه ونشر شريعته، حيث استطاع المسلمون في ربع قرن رفع راية الإسلام في جميع الجهات مثبتين نصر الله لهم فكانت حياة كل صحابي قصة تستنبط منها العبر استفدنا منها ويستفيد منها أولادنا وأحفادنا.

#4عبد المالك المومني2013-06-16 22:18

قرأت الحوار،فقرأت علما وفيرا وأدبا جما..
القصص القرآني له وظيفة أساس:الذكر والاعتبار.
جمالية القصص القرآني لا تتأتى في ذاته ولكن من خلال جمالية البيان القرآني ككل..ومع ذلك فإن للقص القرآني جمالية ذاتية يتفرد بها..وإن من حلل القصص القرآني بهذا العمق الفكري والجمالي لقمين أن يغوص في جماليته الذاتية..فهلا أتحفتنا استاذ عبد السلام بمقالة رصينة عميقة في الموضوع؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

إغلاق