ظاهرة العنف المدرسي

onf

   

  من الظواهر الغريبة على ثقافتنا العربية الإسلامية؛ تلك الظاهرة التي تفشت في السنين الأخيرة داخل العديد من مؤسساتنا التعليمية؛ ممثلة في العنف ضد المدرسين….

    من طرف تلاميذهم، والتي قد تصل إلى الاعتداء عليهم بالوسائل المختلفة

وقد كان من أبرزها وأشنعها ما حدث قبل أيام بالثانوية الإعدادية الكتبية بسلا؛ حيث وقع أحد مدرسي مادة الرياضيات بها ضحية لاعتداء بالسلاح الأبيض من طرف تلميذ له داخل الفصل الدراسي، وعلم من مصادر مقربة من مكان الحادث، أنه بينما كان الأستاذ يكتب الدرس على السبورة، أخرج التلميذ سكينا وباغت أستاذه بضربه على مستوى الرقبة أمام أنظار التلاميذ، الأمر الذي خلف جراحا غائرة ونزيفا كبيرا للأستاذ، نقل على إثره للمستشفى لإنقاذ حياته.

فهذا نموذج مؤلم لحوادث العنف والاعتداء الذي يمارس أحيانا من طرف بعض التلاميذ على أساتذتهم بدافع الرغبة الملحة في الغش بكل الوسائل في الفروض الكتابية المحروسة، أو في الامتحانات الموحدة،أو التهديد لمنحهم نقطا أعلى مما يستحقون……؛ مما يكشف عن حجم الخطر الذي يهدد هؤلاء المدرسين في أرواحهم وسلامتهم الجسدية؛

وحفاظا على كرامة رجال ونساء التعليم، و حماية للمنظومة التربوية التعليمية من الأخطار التي تتهددها من جراء مثل تلك السلوكات المشينة؛ لا بد من مواجهة تلك التصرفات المنحرفة بحزم وصرامة، لتوفير الظروف الملائمة لاستفادة المتعلمين مما يتعلمونه تربية وعلما، وعملا يتجلى في سلوكهم، وهذا الأمر يفرض الأخذ بمبادئ تربيتنا الإسلامية التي توجب احترام المدرس والإقرار بقيمته ودوره الهام في المجتمع.

لمناقشة ظاهرة العنف في مؤسساتنا التعليمية، نطرح بين يدي الموضوع التساؤلات التالية:

هل العنف المدرسي نتيجة طبيعية لتخلي المدرسة مند أمد بعيد عن مهامها التربوية، وعلى رأسها ترسيخ القيم الأخلاقية في ضبط العلاقة بين المدرسين والتلاميذ؟

إلى أي حد يمكن إرجاع موجة العنف ضد المدرس إلى اهتزاز شخصيته في نظر التلميذ واختلال قيامه بمسؤولياته التربوية؟

ما هو دور الإدارة التربوية في توفير المناخ الملائم للتحصيل الدراسي وتتبع سلوك التلاميذ ومحاصرة مظاهر الشغب والاستهتار بالنظام المدرسي والمدرسين بين صفوفهم؟

ألا يمكن اعتبار إهانة التلميذ لأستاذه نهاية متوجة لتدهور سلوكي سابق عبر انتشار المخدرات بين التلاميذ وشيوع ظاهرة التحرش بالتلميذات داخل المؤسسات وفي محيطها؟

هل يمكن تفسير هذه الانحرافات المدوية في المدرسة المغربية بغياب مشروع مجتمعي ثقافي وتربوي وسياسي قادر على قطع أسباب الأزمات المعاينة في أطراف واقعنا وتحقيق إقلاع نهضوي شامل؟

ألا يعد اختلال العلاقة بين الأسرة والمدرسة وإلقاء كل منهما بالمسؤولية التربوية على الآخر سببا رئيسيا في اختلال علاقة المعلم بالمتعلم؟

إلى متى ستظل مناهجنا الدراسية بعيدة عن التجاوب مع تطلعات مجتمعنا في تعليم يرسخ قيمنا التربوية النابعة من ديننا الحنيف وحضارتنا العريقة؟

ما مدى صحة نسبة حالات العنف المدرسي إلى اختلالات نفسية مهملة لدى بعض تلامذتنا؟

كيف يمكننا تفنيد القول بأن العنف في مدارسنا يندرج ضمن ظاهرة عالمية وليس راجعا إلى مشاكل وعوامل تخصنا دون غيرنا من الدول المتقدمة التي تشهد حالات القتل في المدارس بالعشرات وبصورة متوالية.

العنف يصل إلى هيئة التفتيش

ذ. عمر أوكان – مفتش التعليم الثانوي التأهيلي

 لقد صارت المدرسة المغربية مسرحا للعنف اليومي، بدل أن تربي على قيم السلم والتسامح وتدبير الاختلاف بالحوار والحجاج كأسلوب حضاري يرقى بالإنسان من الحيوانية والفكر المتوحش إلى الإنسانية والفكر المتمدن. هكذا لا يكاد يخلو يوم من الأيام من عنف أحادي أو متبادل بين التلاميذ، أو موجه للأساتذة. ونظرا للسكوت عن هذه الظاهرة، وعدم السعي إلى معالجتها قبل تفاقمها؛ فقد وقع ما هو طبيعي أن يقع، بسبب عدم المبادرة إلى فتح ورشات للنقاش والبحث عن الدواء المعالج لوباء العنف المادي واللساني والرمزي بالفضاء التعليمي. فهذا تلميذ يوجه طعنة بسكين لزميل له في الدراسة، وهذا أستاذ يتم غدرا غرز خنجر في ظهره من طرف أحد تلامذته، وهذا مدرس “يسلخ” مديره سلخ الجزار للشاة، وهذا مدير يقتحم حجرة الدرس على المدرس و”يطحطحه” كما “يطحطح” السيد عبيده.

وتوالت الحوادث، وتضاعفت الكوارث، إلى أن انتهت بمدرس يقتل زميلا له في العمل، وكأن القتل هو القيمة الوحيدة التي نجحت المدرسة المغربية في الوصول إليها والتربية عليها، إضافة إلى الجهالة المعرفية والبطالة الوظيفية التي تنتج أطنانا من الخريجين غير المفيدين للوطن والمواطنين، انطلاقا من كون فاقد الشيء لا يعطيه. وليت شعري ما الذي علمته المدرسة لهذا المعلم القاتل أخاه في العمل والجنسية والدين والإنسانية؛ وما الذي يمكن أن يدرسه قابيل للمتمدرسين من قيم وأخلاق ومعارف غير تلك التي تدعو إلى قتل هابيل.

وعلى الرغم من وجود مذكرات وزارية عديدة تذم العنف وتدعو إلى نبذه؛ فإنه ما زال يتناسل بكثرة مثل الميكروبات في علم الأحياء التي ما أن تجد البيئة المواتية لتناميها حتى تتزايد بالملايين. وما يدل على انحطاط التعليم ببلدنا وتردي الأخلاق، هو أن يصل العنف إلى هيئة التفتيش التربوي التي من المفروض فيها أنها الساهرة على تطبيق برامج الوزارة في التربية على حقوق الإنسان، باعتبارها الهيئة الأعلى في السلم الإداري بالوزارة والتي تقوم بالتأطير والمراقبة والتنشيط والبحث التربوي؛ حيث اتضح أنها هي الأخرى لم تسلم من هذا الداء، مع الإشارة إلى خطورة تسرب الداء إليها، على أساس أن المرض الذي يصيب الأصل أسرع في الانتشار من المرض الذي يصيب الفرع.

فقبل وقوع جريمة كلميم النكراء والشنعاء؛ وقعت حالة من العنف بالعيون سكتت عنها الأقلام سكوت زكرياء عن الكلام، مع ما لها من دلالة في تشخيص واقع العنف بالمدرسة المغربية. ومن الهزلي أنها وقعت في قاعة الاجتماعات بنيابة العيون، في الوقت الذي كانت تشهد فيه قاعة الاجتماعات بالأكاديمية الجهوية أياما تكوينية حول إدماج حقوق الإنسان في الإدارة التربوية تحت إشراف المجلس الوطني لحقوق الإنسان. فقد استطاع أحد المفتشين بالتعليم الثانوي – النابغين في الابتكار التربوي والإبداع الإشرافي – النقل الديداكتيكي لهذا التكوين للارتقاء به إلى إدماجه في تنظيم التفتيش التربوي، وإخراجه من الرؤية النظرية الضيقة إلى التطبيق البيداغوجي المتسع؛ من خلال انهياله يوم السبت 12 يناير 2013 على زميل له في المهنة والمادة بالضرب المبرح في اجتماع رسمي من أجل تجديد المكتب الجهوي لنقابة مفتشي التعليم أمام ذهول المفتشين الحاضرين الذين قارب عددهم الخمسين، وأمام ممثل السلطة المحلية، وأمام ممثل المكتب المركزي المشرف على عملية التجديد. ولم يقف عن فعله المشين حتى رأى الدم يغطي وجه المعتدى عليه الذي بوغت بهذا التدخل الهمجي وهو الذي كان جالسا في مكانه ولم يبرحه حتى للدفاع عن نفسه. وحين حاول أحد المفتشين الحيلولة بين المعتدي والمعتدى عليه؛ نال بدوره قسطه مما لذ وطاب من الضرب أمام الجميع؛ مثلما نال منه سابقا مدير الثانوية التأهيلية بالعيون معجما من السب والقذف يغطي على المادة اللغوية لتاج العروس للزبيدي؛ وكأن البلاد بلاد غاب، والعباد عنده مجرد دواب؛ أو لكأن هذا المفتش لا يحب من الأفعال إلا ما تجاوز أكثر من مفعول واحد.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه إلى فبركة المفتش المتهجم لشهادة طبية وهمية؛ إذ يشهد الجميع أن المعتدى عليه ظل جالسا على مقعده يتلقى اللكمات تباعا تترى عليه دون أن يتململ من مكانه أو يبرحه، ولعلنا نحتاج للأشعة ما فوق البنفسجية لرؤية ما إذا كان المعتدى عليه قد هاجم المعتدي عبر الأثير، أو لعله يكون شيطانا أو جنيا يصيب مسه ضحيته عن بعد؛ وقد صدق الأولون حين قالوا: ضربني وبكى، سبقني وشكى.

 وهذا الواقع المتردي الذي آلت له المدرسة المغربية يجعلنا نطرح أكثر من سؤال ومن علامة استفهام عن القيم التي يتحدث عنها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والكتاب الأبيض المتضمن للبرامج والتوجيهات. فنظام التربية والتكوين صار يتعامل مع العنف باعتباره قدرا مقدرا ينبغي التعامل معه من باب الإيمان بالقضاء خيره وشره، وليس من باب أن الخير يثاب على فعله، والشر يعاقب على ارتكابه. وقد زاد من التشجيع على الإقدام على العنف عدم ردع القضاء له بتطبيق فصول القانون الجنائي، وجنح هذا القضاء للأخذ بالتخفيف بدل التشديد تحت ذريعة الاكتظاظ داخل السجون؛ وكذا التساهل مع الفاعلين في المجالس الانضباطية المنعقدة بالأكاديميات الجهوية بضغط من النقابات التعليمية، وبتواطؤ من ممثليها في اللجان المتساوية الأعضاء .

ويتضح من خلال ما وقع من جرائم عديدة بالمدرسة العمومية، وما سيقع مستقبلا – حيث لا دليل على أن الظاهرة ستتوقف في القريب العاجل – أن المدرسة المغربية قد فشلت في أداء وظيفتها الأخلاقية والتخليقية، وأن المدرس لم يعد هو ذاك الإنسان المفرط في إنسانيته والذي تحدث عنه أمير الشعراء بقوله: كاد المعلم أن يكون رسولا، ولو عاش شوقي بين أحضان مؤسساتنا التعليمية لغير صدر بيته الشعري بجعله: كاد المعلم أن يكون مجرما. والسبب في هذا التردي يرجع إلى الوزارة نفسها التي كانت تستهدف من إصلاحاتها السابقة القضاء على المعارضة السياسية للسلطة الحاكمة داخل المدرسة المغربية. فهي لم تنتج تعليما جيدا يحارب المفاسد، بقدر ما غضت الطرف عن الظواهر السلبية داخل الفضاء التعليمي: من غش في الامتحانات، وهدر للمال العام في الأكاديميات، والسماح بالانتقال للفصول الموالية بدون معدلات، والتوظيف المباشر بدون مؤهلات؛ مما يعني إنتاج الجهل الذي هو المنتج للعنف وما يتصل به من شرور مجاورة. فالإنسان المتعلم/ المثقف – والمدرس يدخل في خانة المثقف – لا يمكنه اقتراف الشر – والعنف شر بطبعه وطبيعته – حتى ولو كان الشر هو الأصل كما يرى الفيلسوف هوبز، مخالفا بذلك جان جاك روسو الذي يرى أن الإنسان طيب بطبعه وليس ذئبا لأخيه الإنسان.

والآن ماذا بقي من المدرسة العمومية؛ لقد نجحت الدولة في خططتها الرامية إلى القضاء في المدرسة العمومية على الإضرابات، لكنها حولتها إلى ساحة للجنايات؛ ومن يزرع الجهل يحصد القتل، وإنك لا تجني من الشوك العنبا.

العنف المدرسي نتيجة ضعف مناهجنا التربوية

                                                            ذ.أبو عبد الرحمن القصيري

    بدأت تقرع مسامعنا أخبار تعنيف التلاميذ لأساتذتهم وكنا نسمع مثلها  من قبل على قنوات إخبارية أوروبية ترصد الحدث في بلاد الحضارة المادية، واليوم نسمع ونرى ونعيش أحداثا يندى لها الجبين بعيدة كل البعد عن قيمنا الأخلاقية وديننا الحنيف، صور متكررة كنا نراها عبر شاشات التلفاز أو الشبكة العنكبوتية، وصلت إلى بلادنا، إلى مدارسنا؛ إنها  ظاهرة مؤلمةحقا لأنها تعد عائقا للعملية التعليمية، ومدمرة للتربية وتشكل خطراً على المناخ المدرسي وتحبط محاولات المدرسة في القيام بدورها الثقافي والاجتماعي كمؤسسة تربوية تعليمية تضاف إلى الظواهر الأخرى التي تتطلب البحث عن الأسباب والحلول والمخارج .

ونجد أن هناك من يرجع هذه الأسباب إلى: 
1- 
  عوامل أسرية تتمثل في :
أ) التنشئة الخاطئة بالتعامل بالقسوة – الإهمال – التفرقة في المعاملة بين الأبناء – الرفض العاطفي . 
ب) فقدان حنان الأمومة وعطف الأبوة نتيجة انفصال الوالدين .

ج) كثرة أفراد الأسرة دون رعاية . 
2- 
  عوامل نفسية :الإحباط – الحرمان – تعرض الشخص نفسه للإيذاء ( البدني أو النفسي ) حب الظهور في سن المراهقة.
3- 
  عوامل مجتمعية : ثقافة المجتمع الذي يفتقد أساليب الحوار وكيفية التعامل مع المشكلات المستجدة وحلها . 
4- 
  الإعلام : في عصرنا الحاضر تلعب وسائل الإعلام دوراً كبيراً في التأسيس لسلوك العنف من خلال البرامج والمسلسلات التي تبث مشاهد عنف وأفلام رعب تنعكس سلباً على سيكولوجية المشاهد وخصوصاً الأطفال . 
5- 
  ألعاب الأطفال:هناك عدد من ألعاب الأطفال المبنية على العنف وحب الانتقام من الآخرين يمارسها الأطفال من خلال أجهزة البلاستيشن ولها انعكاسات خطيرة وإفرازات وخيمة على المجتمع بأكمله ناهيك عن أضرارها الصحية والنفسية ويؤكد ذلك كثير من المتخصصين التربويين والاجتماعيين وعلماء الطب النفسي . 
في حين أن البعض الآخر يعزيها إلى:

‏1- أسباب تعود إلى المؤسسة التربوية نفسها: ‏ـ كطريقة تصميم المؤسسة، وازدحام الصفوف، ونقص المرافق الضرورية، وانعدام ‏الخدمات .‏
‏2- أسباب تعود إلى المدرسين:- كثرة الغياب في أوساط المعلمين، ونظام الاستبدال بالأساتذة المتغيبين، مما يفسح ‏المجال إلى الخروج عن النظام في الصف .‏
‏3- أسباب تعود إلى التلاميذ:- ‏كطبيعة التنشئة الاجتماعية، والتعويض عن الفشل، والاختلاط برفاق السوء والتأثر ‏بأفلام ومسلسلات العنف .‏
‏4- أسباب تنظيمية:-‏ كغياب القوانين واللوائح التنظيمية والتي تحكم عمل المؤسسات التربوية بالإضافة إلى ‏ضعف التواصل والتعاون بين مجالس أولياء الأمور وإدارة المدرسة.

     ومهما تعددت الأسباب، فإن السبب الرئيسي يعود إلى الابتعاد عن التربية الإسلامية الصحيحة، هذا الابتعاد أنتج لنا صراعا مستمرا سبب بدوره حالة اللامبالاة عند الإنسان(الطفل) الذي يجد نفسه بعيدا عن التفاعل مع توجيهات دينه وقيمه الأخلاقية  سواء في الشارع أوالمدرسة أو المنزل أو المسجد، ولو وجد هذا التفاعل فكرا ووجدانا وسلوكا لوجدنا في الواقع جيلا آخر غير هذا الجيل .

    فلا بد إذا أن يكون هناك تناغم بين المدرسة والمسجد والمنزل، وألا تكون ازدواجية ولا تناقض بين القول والعمل وبين الاتجاهات داخل المجتمع، وأي تقصير في مؤسسة ينعكس على المؤسستين الباقيتين، لذالك فإن أروع حالة في التربية أن يسود تعاون وتكامل وانسجام بين المدرسة والمنزل والمسجد، هذا التعاون أحد قواعد التربية الأساسية ،فمتى تلقى الطفل التربية الإسلامية الصحيحة داخل أسرته، صار سهلا على المعلم أن يكمل ما أغفلته الأسرة، هذه التربية التي ينبغي أن تضاعف اليوم لكثرة المعوقات ولكثرة الصوارف، والفتن المنتشرة أينما نظرت ، فإذا اشتريت جريدة أو مجلة أو تابعت الشاشة أو سرت في الطريق أو استمعت إلى قصة تجد الصراع العنيف محتدما، والمنازعات مستعرة، والاندفاعات الذاتية في أوج اتقادها، مما يكتنف نفسية الطفل ويشحنها بالرعونة والطيش وقابلية السلوك العنيف قولا وفعلا.

   فإذا أردنا أن يكون أبناؤنا متخلقين بالسماحة والحلم، متشبعين بروح الحوار والتفاهم والسلام، فلا بد أن تكون الأسرة الإسلامية متماسكة، ومتعاونة مع المدرسة والإعلام بكل مكوناته، حتى نستطيع أن نربي أولادنا على ضبط النفس واكتساب القدرة على التحكم في نزوعات الخشونة وانفعالات الغضب.

   وعلينا إذن بالعودة إلى نهج تربيتنا الإسلامية والتي ترتكز على أسس من أهمها القدوة الصالحة بحيث يتوجب على الأب أن يكون قدوة لابنه ، إذ كيف يطمح أب أن يكون ابنه مسلماً مهذبا وخلوقا وهو ليس كذلك؟ فإذا لم تكن أنت أيها الأب قدوةً لابنك، فمن يكن؟ وما لم تكن أنت صادقاً فلن يجد ابنك حافزا ليصدق، وما لم تكن أنت عفيفاً فلن يكون ابنك عفيفاً، وما لم تكن أميناً فلن يكون ابنك أميناً، وما لم تتصف أنت بالحلم والتؤدة واللين في غير ضعف كان ابنك على العكس من ذلك  فظا غليظا وعدوانيا.

إن أول وسيلة فعالة من وسائل تربية الأولاد أن تكون لهم قدوةً في الفضيلة والصلاح والخصائص الخلقية الحميدة،فالابن يتعلم من أفعال والده أكثر مما يتعلم من أقواله.

إن الآباء والأمهات إذا تخلقوا بأخلاق الإسلام فإن أولادهم سوف يكونون مؤدبين وأسوياء قطعا، ومن أدب الإسلام احترام الكبير في السن أو في العلم الديني أو في المنصب.

وينبغي للمعلم أن يكون قدوة خير لتلامذته لا قدوة سوء وليضع نصب عينيه قول أحدهم:

يا أيها الرجل الـــمعلم غيــره           هــــلا لنفسك كان ذا التعليـم
تصف الدواء لذي السقام وذي                           الضنى كي يصح به وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غـيــها           فإذا انتـــهت عنه فأنت حكيــــم

    وما أحوجنا للعودة إلى قيم ديننا وأسلافنا الصالحين في معاملة الصغار للكبار على أساس السن والعلم والفضل، ومن أمثلة ذلك ماأخرجه ابن عساكر عن أبي عمار أن زيداً بن ثابت قُربت له دابة ليركبها، فأخذ ابن عباس رضي الله عنهما بركابها، فقال زيد: تنح  يا بن عم رسول الله، فقال ابن عباس: هكذا أُمرنا أن نفعل بكبرائنا وعلمائنا، فقال زيد بن ثابت: أرني يدك، فأخرج يده فقبلها، فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا”.  
   فحينما نرى الكبراء يتأدبون مع بعضهم البعض نتعلم الأدب من أفعالهم قبل أن نتعلمه من أقوالهم، هذه نصيحة لكل أب، إذا كان الأب  مستقيماً، مهذباً، أديباً، تجد البيت كله فيه مسحة أدب، ومسحة احترام، ونفس الشيء بالنسبة للمعلم .
  والنبي r خاطب قيصر ملك الروم، فقال ؟ إلى عظيم الروم، هو ليس عظيماً عند رسول اللهr ، ولكن هكذا تقتضي اللباقة، والكياسة، والسياسة.

    وأكبر سبب  يحمل أولادنا على توقير الكبار أن ننمي فيهم الحياء قال صلى الله عليه وسلم: الحياءَ من الإيمانِ” توقير الكبار من لوازمه الحياء، وأجمل ما في الشاب، بل أجمل ما في الطفل حياؤه قال r:” الإيمان بضع وستون، أو بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياءُ شُعْبَةٌ من الإيمان.”

.ينبغي على الأب أن يعلم ابنه الحياء الذي يحمله على توقير الكبار، فهذا سيدنا علي رضي الله عنه كان شاباً، فدخل سيدنا أبو بكرالصديق فقام له، وأجلسه مكانه إلى جانب رسول الله، فالنبي r تأثر كثيراً بهذا الموقف، فقال:” لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل”.وقد قال r : ” ما أكرم شاب شيخاً لِسنِّه إِلا قيَّضَ اللهُ لهُ مَن يُكرمهُ عندَ سِنِّه.”ويروي الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال: لقد كنتُ على عهدِ رسولِ الله rغُلاماً، والنبي يسأل سؤالاً، والغلام يعرف الجواب، لكنه يخجل ويستحي من أن يتكلم لوجود من هو أسن منه.”

وخلاصة القول: إن صفات الاستقامة والكمال واحترام الآخر صفات راقية تحمل الأبناء على بر الآباء وتقدير المعلمين واعتبار ذلك واجبا دينيا وإنسانيا وقيمة خلقية وحضارية، والنظر إلى غياب هذه الخصال  على أنه تردي وارتكاس وانحراف وتخلف، فلا ننتظر من إنسان يعول على العنف والصراع في علاقاته بمحيطه، أن تكون له قدرة على التواصل مع غيره والدفاع عن وجهة نظره بعلم وحكمة وأدب؟

خروق في سفينة المجتمع” سقوط هيبة المعلم”

                بقلم : عبد المجيد بنمسعود

        موقع المعلم في المجتمع ــــ أي مجتمع ــــ موقع حيوي ممتاز، نظرا لما يناط به من وظائف التشكيل والبناء، الذي يمثل فيه التعليم والتثقيف وزرع القيم الجوهر والأساس، وترتفع أقدار المجتمعات بارتفاع قدر فئة المعلمين فيها، على مستوى ما يملكونه من خصائص ومؤهلات تتبلور في سلطة المعرفة والقيم، وعلى مستوى تقدير الهيئة الاجتماعية لموقعهم الريادي، وعرفانها لما يبذلونه من جهود شاقة للحفاظ على كيان المجتمع متماسكا سليما من الثغرات والأعطاب، مبرءا من العلل والأمراض، متحفزا للمكرمات وجلائل الأعمال، أما إذا تعلق الأمر بالمجتمعات الإسلامية، فإن موقع المعلم منها وفيها يتوطد بسمة الرسالية التي تستمد قوامها من مذهبية الإسلام التي تقتضي من المعلم أن يجمع في مهمته بين وظيفة التعليم ووظيفة التزكية اللتين تتلازمان وتتضافران في إنشاء وتشكيل المجتمع الإنساني المنشود، القادر على عمارة الأرض، وفق مراد الله عز وجل، ولا يجوز مطلقا في عرف تلك المذهبية أن يقع انفصال بين الوظيفتين المذكورتين، لأن ذلك معناه وقوع انفصام على صعيد عملية التنشئة وشرخ واختلال على مستوى البناء، يفضي تفاقمهما لا محالة إلى اضطراب أحوال سفينة المجتمع، وجنوحها نحو المجهول، وارتطامها بالكوارث والأهوال.

       وموقع المعلم ووظيفته في هذا المقام، إنما هي تبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بين الله عز وجل جوهر رسالته في كتابه الكريم بقوله:” هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين” ومن هذا المنطلق شبه المعلم في المجتمع الإسلامي بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي حصر رسالته في التعليم بقوله:” إنما بعثت معلما” فلا غرو أن يقول أمير الشعراء أحمد شوقي مترسما هذا المعنى الجميل، وهذه الحقيقة الخالدة عندما قال بحق:

                   قم للمعلم وفه التبجيـــلا……….كاد المعلم أن يكون رسولا

       لقد ظلت هذه الصورة الجميلة المضيئة هي الطابع الغالب على مجتمعات تكتنفها شريعة الإسلام الغراء، ومنظومتها القيمية العصماء، إلى أن هبت علينا من جهة الغرب ريح سموم، استهدفت ـ ولا تزال ـ تجفيف منابع الخير في كياننا وطمس قيم النقاء والوفاء، فلا غرابة ـ في ظل وضع ثقافي منكوس ـ أن نصبح ونمسي على أخبار مريعة مرعبة، تحمل إلى الناس صورا منكرة من العدوان على من استودعهم المجتمع فلذات أكباده لإعدادهم الإعداد المطلوب، حتى يكونوا عناصر قوة وإغناء لسفينته وهي تخوض لجج الحياة بمكارهها وتحدياتها ومهماتها الصعبة التي لا يتجرد لها ويقوى عليها إلا الأقوياء الأمناء، وممن ذلك العدوان؟ ممن يقعون منهم موقع البنوة الثانية: من التلاميذ، وياليت هذا الذي جرى متعلق بحالات معزولة تدخل في نطاق الاستثناء، ولكنه للأسف الشديد أصبح يتخذ طابع العموم والاستشراء.

       لم يكن يخطر ببال أحد في عهد غير بعيد، أن تأتي على مجتمعاتنا عهود نكدة يتعرض فيها المعلم للضرب والتعنيف ممن له عليهم فضل الإخراج من ظلمات الجهل إلى أنوار الهداية والعلم، بل وأن يتعرض بعضهم لمحاولة الذبح من القفا وهو يباشر الكتابة والشرح على سبورة الفصل، حتى جاز لأحد الكتاب الصحفيين، أن يقول على سبيل المعارضة المفعمة بالحزن والأسى: كاد المعلم أن يكون مذبوحا، إشارة لأحد أساتذة مدينة سلا الذي وقعت عليه محاولة الذبح.

        عندما نصل إلى هذا الحد من التسيب والاستهتار، فمعنى ذلك أن مجتمعنا يكون قد قطع أشواطا بعيدة وعميقة في التحلل والتآكل والفساد، تراكمت في غفلة، أو في ظل تواطؤ مريب للإجهاز على سفينة المجتمع، تولى كبره طوابير من المفسدين، لا يستثنى من زمرتهم كثير ممن دخلوا إلى السفينة متلصصين أو سافرين متلفعين بشعارات الإصلاح، وماهم منه في شيء، بل إنهم كانواـــ ولا يزالون ـــ يمثلون رأس الرمح فيما يصيب منظومتنا التعليمية والتربوية من تصدعات وجراح.

       إننا ونحن نتأمل هذه الظاهرة المأساوية التي لا تمت بسبب انتساب إلى مجالنا الحضاري، لا بد أن تتراءى لنا وهي تمتد بشكل سافر في عوامل التقصير التي أسلمت ليس منظومتنا التعليمية، فحسب، إلى رياح التغريب والتصفيق) من الصفاقة، وإنما أسلمت سفينتنا برمتها إلى تلك الرياح تعبث بها بلا هوادة.

ما أصدق أن نتمثل في هذا المقام بقول من قال:

 ألقاه في اليم مكتوفا وقال لــــه……… إياك إياك أن تبتل بالماء

       فمن المستحيل أن نطالب منظومة مشروخة متصدعة في أغلب أجزائها، متوعكة في جل مفاصلها، ثم هي تسبح في سديم من الجراثيم والفيروسات التي تخترق منظومات الثقافة والاقتصاد والاجتماع و الفن والإعلام وغيرها، من المستحيل أن نطالب من منظومة هذا شأنها أن تخرج لنا أجيالا مبرأة تنشد السلم والأمان، وتتحلى بقيم العرفان والوفاء، وتتوخى الإصلاح والبناء.

       إن منظومة هذا ديدنها لا يمكن إلا أن تفجعنا، باستمرار، في معلمينا وتلامذتنا، بسبب اختلال القيم الذي اختل معه الميزان، ولا نستغرب أبدا أن يتعرض بنياننا الاجتماعي لنزيف رهيب، ما دامت حياتنا موزعة بين غيبوبة عما يراد بنا من شر ويكاد لنا من مكائد، وبين سلوك عبثي يقوم على التلفيق والترقيع، والنأي بتحليلاتنا عن مواطن الداء.

{jcomments on}

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق